أبي منصور الماتريدي

153

تأويلات أهل السنة ( تفسير الماتريدي )

وقوله - عزّ وجل - سَلْهُمْ أَيُّهُمْ بِذلِكَ زَعِيمٌ . يقول [ : فإن هم تعنتوا ] « 1 » مع هذا كله في أن يدوموا على دعواهم من غير حجة تشهد لهم ، فسلهم - أي : اطلبهم - بالزعيم ، أي : من يكفل لهم أن الأمر كما يزعمون . وقوله - عزّ وجل - أَمْ لَهُمْ شُرَكاءُ فَلْيَأْتُوا بِشُرَكائِهِمْ إِنْ كانُوا صادِقِينَ . أي : شركاء يشفعون « 2 » لهم يوم القيامة . وقال بعضهم : أم لهم شهداء ممن « 3 » عندهم كتاب يشهدون لهم بما يذكرون . وقوله - عزّ وجل - : يَوْمَ يُكْشَفُ عَنْ ساقٍ . أي : يكشف عن موضع الوعيد بالشدائد والأهوال ، والساق : الشدة ، وسمي الساق : ساقا لهذا ؛ لأن الناس شدتهم في سوقهم ؛ إذ بها يحملون الأحمال ؛ فكنى بالساق عن الشدة . وقيل - أيضا - بأنهم كانوا إذا ابتلوا بشدة وبلاء كشفوا عن أسوقهم ، فكنى بذكره عن الشدة ، لا أن يراد بذكر الساق تحقيق الساق ، والله أعلم . وقوله - عزّ وجل - وَيُدْعَوْنَ إِلَى السُّجُودِ فَلا يَسْتَطِيعُونَ . يحتمل أن يكون هذا على دعاء الحال ، ويحتمل أن يكون على دعاء الأمر : فأما دعاء الحال فهو أن من عادات الخلق أنه إذا اشتد بهم الأمر وضاق فزعوا إلى السجود ، فجائز أن يكون ما حل بهم من الأهوال والشدائد يدعوهم إلى السجود ، فيهمون بذلك فلا يستطيعون ؛ فيكون قوله : وَيُدْعَوْنَ إِلَى السُّجُودِ ، أي : تدعوهم الحالة إلى السجود ؛ فهذا دعاء الحال ، وجائز أن يؤمروا بالسجود ، ويمتحنوا به . ثم إن كان التأويل على الأمر فيحتمل أن يكون ذلك يوم القيامة ، وجائز أن يكون وقت الموت . وإن كان على دعاء الحال فذلك يكون عند الموت . ثم الأمر بالسجود يحتمل وجهين : أحدهما : أن يكون على حقيقة الفعل ، ويحتمل أن يكون على الاستسلام والخضوع ؛ إذ السجود في الحقيقة هو الخضوع والاستسلام ، وكل سجود ذكر في القرآن وأريد به عين السجود ، فليس يجب بتلاوته السجود . وكل ما أريد منه الاستسلام والخضوع فهو الذي

--> ( 1 ) في أ : فإنهم تفننوا . ( 2 ) في ب : يشفعوا . ( 3 ) في ب : من .