أبي منصور الماتريدي

151

تأويلات أهل السنة ( تفسير الماتريدي )

وبين العدو [ والكفور ] والشكور ، فأنتم إذا أنكرتم البعث ، فقد زعمتم على [ الله تعالى أنه ] « 1 » يجعل المسلمين كالمجرمين والكفور كالشكور والعدو كالولي ، ومن فعل هذا فهو سفيه لا يصلح أن يكون حكيما ، ففي إنكار البعث تحقيق السفه وإثبات الجور ؛ لأن من الجور أن يجمع بين الولي وبين العدو في الجزاء . ومن ادعى الوجه الآخر ، وهو التسوية بين الفريقين ؛ لما تساويا في منافع الدنيا ومضارها وفي لذاتها وشدائدها وبلياتها ، فعلى ذلك يكون أمرهم في الآخرة . فجوابهم في ذلك أن الدنيا هي دار يظهر فيها العدو من الولي والشكور من الكفور ، والآخرة دار جزاء العداوة والولاية . فجائز أن يقع فيما فيه ظهور الولاية والعداوة اتفاق ، ولا يجوز وقوع الاتفاق فيما فيه الجزاء ؛ لأن الجزاء لعداوة سبقت ولولاية سبقت ، والحكمة توجب التفرقة بين الجزاءين ؛ فلا يجوز أن يجعل المسلم فيه كالمجرم ؛ لما فيه من تضييع الحكمة ، وليس قبل المحنة معنى يوجب التفرقة بينهما في المحنة [ فجاز أن يقع بينهما الاتفاق في ذلك ، ولأنه لو كان يفرق بينهما في الدنيا ، لكانت المحنة تخرج عن حدها ، والدنيا هي دار المحنة ] « 2 » ، وإنما قلنا : إن فيه إخراج المحنة عن حدها ؛ لأن المحنة تكون على الرجاء والخوف ، والرغبة والرهبة ، فلو فرق بين [ العدو والولي ] « 3 » في الدنيا ؛ فوسع على الأولياء ، وضيق على الأعداء لوقع اختيار وجه الولاية على الضرورة ؛ لأن من علم أنه يضيق عليه إذا اختار وجه العداوة ، ويتعجل « 4 » عليه العذاب ، ترك ذلك الوجه ، ومال إلى الولاية ؛ فيرتفع وجه المحنة ؛ فلذلك جاز أن يجمع بين الولي والعدو في دار المحنة ؛ ليبقى وجه المحنة بحاله ، ولم يجز أن يجمع بينهما في الآخرة ؛ لأنها دار جزاء ، والعقل يوجب تفرقة جزائهما ، والله الموفق . وقوله - عزّ وجل - : ما لَكُمْ كَيْفَ تَحْكُمُونَ ، في أحكم الحكماء بالسفه ؛ حيث تزعمون « 5 » أنه يجمع بين الولي والعدو في الجزاء ، وذلك من أعلام السفه . أو كيف تحكمون في أحكم الحاكمين وأعدل العادلين بالجور ؛ إذ تزعمون أنه يجمع

--> ( 1 ) في ب : أن الله له أن . ( 2 ) ما بين المعقوفين سقط في أ . ( 3 ) في ب : الولي والعدو . ( 4 ) في ب : وتعجل . ( 5 ) في ب : زعموا .