أبي منصور الماتريدي
149
تأويلات أهل السنة ( تفسير الماتريدي )
إِنَّا كُنَّا طاغِينَ . وقوله - عزّ وجل - : يا وَيْلَنا إِنَّا كُنَّا طاغِينَ . ففي هذا إتمام التوبة ، ففيه أنهم أظهروا الندامة على ما سبق منهم من أوجه ثلاثة : مرة بما وصفوا أنفسهم بالظلم . ومرة بما لاموا أنفسهم . ومرة بما وصفوا أنفسهم بالطغيان . وقوله - عزّ وجل - : عَسى رَبُّنا أَنْ يُبْدِلَنا خَيْراً مِنْها . أي : يبدلنا خيرا منها إذا تبنا ، وأنبنا إلى ربنا ؛ لأنه لا يجوز أن يتوقعوا خيرا منها وهم مصرون على ذنوبهم ؛ إذ قد عرفوا أنهم إنما حرموا بركة الثمار بما ارتكبوا من الذنوب ؛ فثبت أن معناه ما ذكرنا . ويحتمل أن يكون هذا في الآخرة يقولون : عَسى رَبُّنا أَنْ يُبْدِلَنا خَيْراً مِنْها في الآخرة إذا تبنا وأنبنا إليه ، والله أعلم . وقوله - عزّ وجل - : إِنَّا إِلى رَبِّنا راغِبُونَ . إلى ما عند ربنا من العطايا والمنن لراغبون . أو إلى ما وعد ربنا للتائبين من الذنوب لراغبون . وقوله - عزّ وجل - : كَذلِكَ الْعَذابُ . كأنه يخاطب أهل مكة أن كذلك العذاب في الدنيا في أن يأخذ أهله آمن ما كانوا ، أو أغفل ما كانوا ، كما أخذ أصحاب الجنة عند الأمن ؛ إذ كان عندهم أنهم يقدرون على صرم تلك الثمار ولا يأخذهم « 1 » . وقوله - عزّ وجل - : وَلَعَذابُ الْآخِرَةِ أَكْبَرُ لَوْ كانُوا يَعْلَمُونَ . ففي هذا إيجاب العذاب على من لم يعلم بالعذاب ولم يؤمن به ؛ لأنهم لم يؤمنوا بعذاب الآخرة ولا علموا به ، ثم أوجب لهم العذاب وإن لم يعلموا ولم يعذروا بالجهل ؛ لأنهم قد وقفوا على السبب الذي لو تفكروا لعلموا بالعذاب ولأيقنوا به ، وفي هذا حجة لأن « 2 » لا عذر لمن تخلف عن التوحيد والإيمان بالله تعالى وإن جهل ، إلا أن يكون جهله « 3 » جهل خلقة ؛ لأن الذي أفضى به إلى الجهل هو التقصير في الطلب ، وإلا لو لم
--> ( 1 ) في أ : يفوتها . ( 2 ) في ب : أن . ( 3 ) في ب : يجهله .