أبي منصور الماتريدي
148
تأويلات أهل السنة ( تفسير الماتريدي )
وقوله - عزّ وجل - : فَلَمَّا رَأَوْها قالُوا إِنَّا لَضَالُّونَ . أي : قد ضللنا الطريق ، فكان عندهم أنهم قد ضلوا الطريق لذلك لم يتوصلوا إلى ثمارها ثم ظهر لهم أنهم لم يضلوا الطريق ، بل حرموا بركة الثمار بجنايتهم التي جنوها ، فتذكروا صنيعهم ، وندموا على ذلك ، فأقبلوا بالاستكانة والتضرع إلى الله تعالى ، فتاب عليهم ، فلعل الذي قال : إِنَّا بَلَوْناهُمْ كَما بَلَوْنا أَصْحابَ الْجَنَّةِ يخرج على هذا ، وهو أنا بلونا أصحاب الجنة ، فتذكروا ؛ فرفع عنهم العذاب ، ولم يتذكر أهل مكة فحل بهم العذاب يوم بدر ، كما قال : فَمَا اسْتَكانُوا لِرَبِّهِمْ وَما يَتَضَرَّعُونَ [ المؤمنون : 76 ] . وقوله : قالَ أَوْسَطُهُمْ . أي : أعدلهم . وقوله - عزّ وجل - : أَ لَمْ أَقُلْ لَكُمْ لَوْ لا تُسَبِّحُونَ . جائز أن يكون معناه : لولا تصلون الفجر ، ثم تخرجون . وجائز أن يكون معناه : لولا تستثنون . وقد ذكرنا أن في الاستثناء معنى التسبيح ؛ لأن فيه إقرارا بأن الأمور كلها تنفذ بمشيئة الله تعالى ، وأنه هو المغير والمبدل دون أحد سواه . وقوله - عزّ وجل - : قالُوا سُبْحانَ رَبِّنا . فهذا منهم توحيد وتنزيه . وفي قوله : إِنَّا كُنَّا ظالِمِينَ اعتراف بما ارتكبوا من الذنوب وإنابة إلى الله تعالى ، وتمام التوبة منهم في قوله : فَأَقْبَلَ بَعْضُهُمْ عَلى بَعْضٍ يَتَلاوَمُونَ . قالُوا يا وَيْلَنا إِنَّا كُنَّا طاغِينَ . فذكر « 1 » المفسرون في قوله : فَأَقْبَلَ بَعْضُهُمْ عَلى بَعْضٍ يَتَلاوَمُونَ ، أي : أقبل بعضهم على بعض باللوم يقول : أنت أمرتنا أن نصرمها ليلا ، وقال هذا لهذا : بل هو عملك أنت . وهذا لا معنى له ؛ لأن هذا يوجب تبرئة « 2 » كل واحد منهم عن ارتكاب الذنوب ، وقد سبق منهم الإقرار بالذنب بقولهم : قالُوا سُبْحانَ رَبِّنا إِنَّا كُنَّا ظالِمِينَ ، وبقولهم يا وَيْلَنا إِنَّا كُنَّا طاغِينَ ، فكيف يبرءون أنفسهم عن الذنوب وقد اعترفوا بها ؟ ! فهذا تأويل لا معنى له ، بل معناه - والله أعلم - فأقبل بعضهم على بعض يتلاومون على إدخال كل منهم نفسه في ذلك [ القول ، فأقبل ] « 3 » كل واحد منهم باللائمة على نفسه حتى يكون [ هذا ] « 4 » موافقا لقوله :
--> ( 1 ) في ب : وذكر . ( 2 ) في ب : تنزيه . ( 3 ) في ب : القوم ، أو أقبل . ( 4 ) سقط في ب .