أبي منصور الماتريدي

123

تأويلات أهل السنة ( تفسير الماتريدي )

وقوله - عزّ وجل - : إِنَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ بَصِيرٌ . أي : بكل شيء لطف أو جل أو استتر أو ظهر أو اختلط بغيره أو تميز ، فهو بصير يبلغه إلى أجله الذي ضرب له ، ويأتيه بالرزق الذي قدر له . أو بصير بأفعال الخلق ما كان وما يكون ؛ لأنه ذكر على أثر ذكر الأفعال ، وهو قوله : وَأَسِرُّوا قَوْلَكُمْ أَوِ اجْهَرُوا بِهِ إِنَّهُ عَلِيمٌ بِذاتِ الصُّدُورِ . أَ لا يَعْلَمُ مَنْ خَلَقَ [ الملك : 13 ، 14 ] . ثم في قوله : إِنَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ بَصِيرٌ ترهيب وترغيب وإلزام المراقبة والتيقظ والتبصر « 1 » ؛ وكذلك في قوله : أنه عَلى كُلِّ شَيْءٍ حَفِيظٌ [ هود : 57 ] و بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ [ البقرة : 29 ] ؛ لأن من علم أن عليه حافظا ورقيبا يعلم بكل شيء يتعاطاه فهو لا يتعاطى إلا المحمود من الفعال والمرضي منها . وقوله - عزّ وجل - : أَمَّنْ هذَا الَّذِي هُوَ جُنْدٌ لَكُمْ يَنْصُرُكُمْ مِنْ دُونِ الرَّحْمنِ . فهذا صلة قوله : أَ أَمِنْتُمْ مَنْ فِي السَّماءِ أَنْ يَخْسِفَ بِكُمُ الْأَرْضَ ، وقوله : أَمْ أَمِنْتُمْ مَنْ فِي السَّماءِ أَنْ يُرْسِلَ عَلَيْكُمْ حاصِباً ، ثم قال : أَمَّنْ هذَا الَّذِي هُوَ جُنْدٌ لَكُمْ يَنْصُرُكُمْ مِنْ دُونِ الرَّحْمنِ إذا خسف بكم الأرض وأرسل عليكم حاصبا من السماء . وجائز أن يكون على التقديم والتأخير ؛ فيكون معناه : أمن هذا الذي هو جند لكم من دون الرحمن ينصركم من عذاب الله إن حل بكم . أو يكون قوله : أَمَّنْ هذَا الَّذِي هُوَ جُنْدٌ لَكُمْ يدفع عنكم العذاب من دون الله إذا حل بكم . وجائز أن يكون أريد بالجند : آلهتهم التي كانوا يعبدونها من دون الله تعالى ، فكانوا يعبدونها لتنصرهم ويعزوا بها ؛ قال الله - تعالى - : وَاتَّخَذُوا مِنْ دُونِ اللَّهِ آلِهَةً لِيَكُونُوا لَهُمْ عِزًّا [ مريم : 81 ] ، وقال : وَاتَّخَذُوا مِنْ دُونِ اللَّهِ آلِهَةً لَعَلَّهُمْ يُنْصَرُونَ [ يس : 74 ] ، ثم هم قد علموا أنها لا تقوم بنصرهم ولا تدفع الذل عنهم فيعزوا بها ؛ لأنهم كانوا يفزعون إلى الله تعالى عندما يحل [ بهم الشدائد ] « 2 » والذل ، كما قال - تعالى - : وَإِذا مَسَّ الْإِنْسانَ ضُرٌّ دَعا رَبَّهُ مُنِيباً إِلَيْهِ [ الزمر : 8 ] ، ويتركون الفزع إلى آلهتهم ؛ لعلمهم أنها لا تعزهم ولا تنصرهم ، فذكرهم في حالة الأمن ما قد عرفوا وقوعه في حالة الخوف ؛ لينقلعوا عن عبادة الأصنام ويقبلوا على عبادة رب الأنام ؛ ليدفع عنهم الشدائد والأهوال والآلام إذا حلت بهم من خاص أو عام ، ويقوم بعزهم إذا لحقهم الذل .

--> ( 1 ) في أ : والتوسط . ( 2 ) في ب : بهم من الشدائد .