أبي منصور الماتريدي

124

تأويلات أهل السنة ( تفسير الماتريدي )

وقوله - عزّ وجل - : إِنِ الْكافِرُونَ إِلَّا فِي غُرُورٍ . أي : اغتروا في عبادتهم آلهتهم ؛ لتقوم بنصرهم وعزهم ، مع ما علموا أنها لا تدفع عنهم شدة ولا تحصل لهم عزّا . وقوله - عزّ وجل - : إِنْ أَمْسَكَ رِزْقَهُ . هم كانوا يرجون رزقهم من السماء والأرض ، فيقول « 1 » : من [ ذا ] « 2 » الذي يرزقكم إن لم يرسل عليكم من السماء مطرا ، ولا زلل لكم الأرض للنبات . وقد علموا أيضا أن لا رازق لهم غير الله تعالى ؛ لأنهم كانوا يفزعون إليه بالسؤال للرزق عندما يبلون بالقحط والجدوبة ، فذكرهم في حال السعة ما له عليهم من عظيم النعمة في توسيع الرزق عليهم ؛ ليشكروه ولا يكفروه . وقوله « 3 » - عزّ وجل - : بَلْ لَجُّوا فِي عُتُوٍّ وَنُفُورٍ . فالعاتي : هو المارد الشديد السفه ؛ فكأنه يقول : لجوا وعتوا في قبول الحق ، وتمادوا في طغيانهم ، ولم يتذكروا ولم يراقبوا الله تعالى ، ولم يشكروا له ، بل بعدوا عن قبول ذلك كله ، فقوله : أَمَّنْ هذَا الَّذِي هُوَ جُنْدٌ لَكُمْ ، وقوله : أَمَّنْ هذَا الَّذِي يَرْزُقُكُمْ يخرج على أوجه ثلاثة : أحدها : على التخويف والتهويل . والثاني : على التنبيه والتذكير ، وتسفيه أحلامهم . والثالث : على البشارة لرسول الله صلّى اللّه عليه وسلم بالنصر له [ وبإجابة دعوته ] « 4 » على أهل الكفر . فوجه التنبيه « 5 » والتذكير وتسفيه الأحلام ما ذكرنا : أنهم قوم كانوا يعبدون الأصنام لتنصرهم وتعزهم في الدنيا ، وليبتغوا به الرزق من عندها ؛ إذ هم كانوا لا يؤمنون بالبعث ؛ ليطلبوا بعبادتها عين « 6 » الآخرة والنصر فيها ، وإنما كانوا يطمعون ذلك منها في الدنيا ، ثم هم في الدنيا كانوا إذا نزلت بهم الشدة والفزع تضرعوا إلى الله تعالى ، كما قال : وَإِذا مَسَّكُمُ الضُّرُّ فِي الْبَحْرِ ضَلَّ مَنْ تَدْعُونَ إِلَّا إِيَّاهُ [ الإسراء : 67 ] ، ولم يكونوا يفزعون إلى أصنامهم ؛ فكيف اتخذوها جندا ينصرهم عند النوائب ، وقد أحاط علمهم أنها لا تنصرهم

--> ( 1 ) في ب : فيقولون . ( 2 ) سقط في ب . ( 3 ) في ب : ثم قوله . ( 4 ) في ب : وبالإجابة لدعوته . ( 5 ) في أ : ووجه التشبيه . ( 6 ) في أ : عن .