أبي منصور الماتريدي

116

تأويلات أهل السنة ( تفسير الماتريدي )

وقوله : الَّذِي خَلَقَ سَبْعَ سَماواتٍ طِباقاً [ الملك : 3 ] فخلق تلك [ الأشياء ] كلها ؛ ليمتحن أهلها [ بها ] « 1 » ، فعلى ذلك خلق الأرض ذلولا ليبلوكم بها . ويحتمل أن يكون هذا صلة قوله : ما تَرى فِي خَلْقِ الرَّحْمنِ مِنْ تَفاوُتٍ [ الملك : 3 ] فأمر هناك بالنظر مرة بعد مرة هل ترى فيه تفاوتا أو فطورا ؛ ليتبين عنده إذا لم ير فيه تفاوتا ولا فطورا وحدانية الرب وقدرته وسلطانه وحكمته ، فأمرهم - أيضا - بالمسير في الأرض والمشي في مناكبها وهي أطرافها - هل يرون فيها فطورا أو تفاوتا ؟ فإذا « 2 » لم يروا فيها شيئا من ذلك ، تقرر عندهم بجميع ما ذكرنا من الحكمة هناك ، فهو في قوله : هُوَ الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ الْأَرْضَ ذَلُولًا موجود ؛ ولأنه ذكرهم لطيف خلقه وتدبيره في خلق الأرض ، وما له على الخلق من [ عظيم النعمة ] « 3 » في حقهم ، وهو أنه قدر لهم فيها أرزاقهم إلى حيث يمشون فيها ، وهيأ لهم الرزق هنالك ، ولا يحتمل أن يذلل لهم الأرض ؛ فيضربون فيها حيث شاءوا ويستخرجون منها أقواتهم أينما تصرفوا عبثا باطلا ، بل لا بد أن يستأديكم شكر ما أنعم عليكم به . وقوله - عزّ وجل - : أَ أَمِنْتُمْ مَنْ فِي السَّماءِ أَنْ يَخْسِفَ بِكُمُ الْأَرْضَ فَإِذا هِيَ تَمُورُ . هذه الآية في موضع المحاجة على منكري البعث ، فكأنه يقول - والله أعلم - : إذا أنكرتم البعث وقد عرفتم الفرق بين العدو والولي وبين المطيع والعاصي ، فكيف أمنتم عذابه في الدنيا أن ينزل بكم من فوق رءوسكم أو من تحت أرجلكم . أو قد عصيتموه وعاديتموه بتكذيبكم رسوله واختياركم عبادة غيره ، فكيف أمنتم نزول عذابه عليكم في حالتكم هذه ، وأنتم لا تقرون بالآخرة ؛ ليتأخر عنكم العذاب ؟ ! ثم قوله : أَ أَمِنْتُمْ أي : قد أمنتم . والثاني : أنكم كيف أمنتم عذاب الله تعالى وأنتم تنكرون البعث ؛ لتكون المحنة في الدنيا للجزاء في الآخرة ، وهم يرون المحنة في الدنيا للجزاء في الدنيا ؛ لأنهم كانوا يزعمون أن من وسع عليه في رزقه والنعيم في الدنيا فإنما وسع جزاء لعمله ، ومن ضيق عليه العيش فإنما ضيق عقوبة له بما أساء من عمله ، كما قال الله تعالى : فَأَمَّا الْإِنْسانُ إِذا مَا ابْتَلاهُ رَبُّهُ فَأَكْرَمَهُ وَنَعَّمَهُ فَيَقُولُ رَبِّي أَكْرَمَنِ . وَأَمَّا إِذا مَا ابْتَلاهُ فَقَدَرَ عَلَيْهِ رِزْقَهُ فَيَقُولُ رَبِّي أَهانَنِ [ الفجر : 15 ، 16 ] ، فكانوا يعدون التضييق والتوسيع في الدنيا جزاء لصنيعهم ، وكانوا

--> ( 1 ) سقط في ب . ( 2 ) في ب : وإذا . ( 3 ) في ب : عظم النعم .