أبي منصور الماتريدي
103
تأويلات أهل السنة ( تفسير الماتريدي )
عنه القدرة عن أكثر الأشياء ، فلا يصير هو قادرا على كل شيء ، وإنما هو قادر على البعض ، تعالى الله عما يقول الظالمون علوّا كبيرا . وقوله - عزّ وجل - : الَّذِي خَلَقَ الْمَوْتَ وَالْحَياةَ لِيَبْلُوَكُمْ أَيُّكُمْ أَحْسَنُ عَمَلًا . قال أبو بكر الأصم : الَّذِي خَلَقَ الْمَوْتَ أي : خلقكم أمواتا : نطفة وعلقة ومضغة ، ثم أحياكم لِيَبْلُوَكُمْ . وقال غيره : الَّذِي خَلَقَ الْمَوْتَ ليجزيكم بعده ، والحياة ؛ ليبتليكم بها ، واستدل بقوله - تعالى - : إِنَّا جَعَلْنا ما عَلَى الْأَرْضِ زِينَةً لَها لِنَبْلُوَهُمْ أَيُّهُمْ أَحْسَنُ عَمَلًا [ الكهف : 7 ] ، فصرف المحنة إلى الحالة التي أنشأهم على وجه الأرض ، وهي حالة الحياة ، [ ثم أخبر بعد ذلك أنه يجعلهم ] « 1 » صعيدا جرذا بعد الابتلاء بقوله : وَإِنَّا لَجاعِلُونَ ما عَلَيْها صَعِيداً جُرُزاً [ الكهف : 8 ] . وعندنا : أنه خلقهما جميعا للابتلاء ؛ لأن الله - تعالى - خلق الموت على غاية ما تكرهه الأنفس ، وتنفر عنه ، وخلق الحياة على غاية ما تتلذذ به الأنفس وترغب فيها ، والمحنة في الترغيب والترهيب ، فثبت أن في خلق الموت محنة ؛ فيكون قوله - تعالى - : خَلَقَ الْمَوْتَ وَالْحَياةَ كأنه يقول : خلق الموت مرهبا ، وخلق الحياة مرغبة ؛ لِيَبْلُوَكُمْ أَيُّكُمْ أَحْسَنُ عَمَلًا ، أي : ليبلوكم أيكم أرهب من الشر ، وأرغب في الخير ؟ ثم الموت مما لا مهرب منه لأحد ، ولا مخلص لمخلوق ، وكذلك الحياة ، وإن كانت من أرغب الأشياء إلى الأنفس ، فليست هي بحيث يتهيأ للمرء أن يزيد منها بالطلب ، ولا مما يوجد بالكد والسعي ؛ فصارت هي مرغبة في الحياة الدائمة وهي نعيم الآخرة ، [ وصار الموت ] « 2 » مرهبا عن الموت الدائم ، والموت الدائم هو العذاب الدائم ، الذي لا ينقطع كما قال - تعالى - : وَيَأْتِيهِ الْمَوْتُ مِنْ كُلِّ مَكانٍ وَما هُوَ بِمَيِّتٍ [ إبراهيم : 17 ] ، أي : لا تنقضي عنه الآلام والأوجاع بل يبقى فيها أبدا ، وإذا ثبت أن الموت صار مرهبا عن العذاب الدائم ، والحياة صارت مرغبة في مثلها ، فنقوم بطلبه ، ووجب القول بالبعث أيضا ؛ إذ الراغب إنما يصل [ إلى ] ما يرغب فيه بالبعث ، والآخر إنما يصير إلى العذاب الدائم بالبعث . وفيه إيجاب القول بالرسالة ؛ لأنه إذا ثبت الرغبة في الموعود من الثواب والرهبة « 3 » عن العذاب ، وهما جميعا غائبان ، فاحتيج إلى من يظهرهما ويحضرهما ويخبر عنهما ، فلم يكن بد من رسول يخبرهم ويحضر علمه لهم .
--> ( 1 ) في ب : ثم أخبر عما بعده أنهم يجعلون . ( 2 ) في أ : وصارت . ( 3 ) في أ : والرغبة .