أبي منصور الماتريدي
14
تأويلات أهل السنة ( تفسير الماتريدي )
ويحتمل أن يكون سماه : يوم البروز ، والمصير ، والرجوع ، وما ذكر ؛ لأن المقصود من إنشاء الدنيا وما فيها من الخلائق ذلك اليوم وتلك الدار ، وكذلك صار إنشاء الدنيا وإنشاء ما فيها حكمة ؛ لما عرف أن الإنشاء للإفناء خاصة ليس بحكمة ، فخص ذلك اليوم بما ذكرنا وإن كانوا في جميع الأحوال بارزين إليه ظاهرين له ، واللّه أعلم . وقوله - عزّ وجل - : لا يَخْفى عَلَى اللَّهِ مِنْهُمْ شَيْءٌ . ظاهر ، وهو رد لقول من يقول : إن شيئا يستر على اللّه [ تعالى اللّه ] عن ذلك علوّا كبيرا . وقوله - عزّ وجل - : لِمَنِ الْمُلْكُ الْيَوْمَ لِلَّهِ الْواحِدِ الْقَهَّارِ . قال عامة أهل التأويل : إذا أهلك اللّه تعالى أهل الأرض وأهل السماء فلم يبق أحد إلا اللّه تعالى ، فعند ذلك يقول : لِمَنِ الْمُلْكُ الْيَوْمَ ؟ فلا يجيبه أحد ، فيقول هو في نفسه ويجيب نفسه : لِلَّهِ الْواحِدِ الْقَهَّارِ ، لكن هذا بعيد لا يحتمل أن يقول : لِمَنِ الْمُلْكُ الْيَوْمَ ولا أحد سواه ، ويجيب نفسه : لِلَّهِ الْواحِدِ الْقَهَّارِ ؛ لما لا حكمة في ذلك : أن يسأل نفسه ثم يجيبها ، لكن الوجه فيه - واللّه أعلم - أنه إنما يقول لهم ذلك إذا بعثهم وأحياهم : لِمَنِ الْمُلْكُ الْيَوْمَ ؟ فيقول الخلائق له بأجمعهم : لِلَّهِ الْواحِدِ الْقَهَّارِ ، يقرون له جميعا يومئذ بالملك والربوبية وإن كان بعض الخلائق في الدنيا قد نازعوه في الملك فيها وادعوا لأنفسهم ، فيقرون يومئذ أن الملك في الدنيا والآخرة لله تعالى ، واللّه أعلم . وقوله - عزّ وجل - : الْيَوْمَ تُجْزى كُلُّ نَفْسٍ بِما كَسَبَتْ . أي : من خير أو شر . لا ظُلْمَ الْيَوْمَ . أي : لا تجزى غير ما كسبت . ويحتمل لا ظُلْمَ أي : لا نقصان في الحسنات التي عملوها ، ولا زيادة على السيئات التي اكتسبوها ، وقد ذكرنا هذا فيما تقدم . وقوله - عزّ وجل - : إِنَّ اللَّهَ سَرِيعُ الْحِسابِ . قد ذكرنا هذا أيضا ، واللّه أعلم . وقوله : وَأَنْذِرْهُمْ يَوْمَ الْآزِفَةِ . سمى ذلك اليوم [ الآزفة ] لقربه ودنوه منه ؛ وعلى ذلك سماه : غدا ، وقريبا ؛ كقوله : اقْتَرَبَتِ السَّاعَةُ [ القمر : 1 ] ، وقوله : اقْتَرَبَ لِلنَّاسِ حِسابُهُمْ . . . الآية [ الأنبياء :