أبي منصور الماتريدي
15
تأويلات أهل السنة ( تفسير الماتريدي )
1 ] ؛ فعلى ذلك سماه « آزفة » لدنوه وقربه منهم ، يقال : أزف فلان إلى فلان ، أي : قرب ودنا منه ، ومعناه : أي : أنذرهم بما إليه مرجع عاقبتهم ومصيرهم ؛ لأن أهل العقل والتمييز إنما يعملون ويسعون للعاقبة وما إليه يرجع أمورهم وهو ذلك اليوم ، واللّه أعلم . وقوله - عزّ وجل - : إِذِ الْقُلُوبُ لَدَى الْحَناجِرِ . يخبر عن شدة حالهم وفزعهم في ذلك اليوم ، ليس أن يزول قلوبهم عن أمكنتها وترتفع إلى الحناجر حقيقة ، ولكنه وصف لشدة حالهم في ذلك اليوم وكثرة خوفهم وفزعهم وضيق صدورهم ؛ وهو كقوله - تعالى - : وَضاقَتْ عَلَيْكُمُ الْأَرْضُ بِما رَحُبَتْ [ التوبة : 25 ] أي : ضاقت صدورهم وقلوبهم بما حل بهم من الشدائد والأهوال ، ليس أن صارت الأرض في الحقيقة مضيقة لا يسعون فيها ، ولكن وصف لضيق صدورهم لعظم ما نزل بهم ، فكنى بضيق الأرض عن ضيق صدورهم ؛ فعلى ذلك جائز أن يكون ما ذكر من كون القلوب لدى الحناجر كناية عن ضيق صدورهم لشدة حالهم وعظيم ما حل بهم ، واللّه أعلم . والحناجر : هي مواضع الذبح من الشاة وغيرها من الدواب ، واحدها : حنجرة . وقوله - عزّ وجل - : كاظِمِينَ . قال بعضهم « 1 » : الكاظم : المغموم الذي يتردد خوفه في جوفه غيظا ؛ لما كان منه في الدنيا . وقيل : الكاظم لا يتكلم ، قد كظم من الخوف . وقيل : الذي لا يفتح فمه ؛ وهو قريب بعضهم من بعض . وقوله - عزّ وجل - : ما لِلظَّالِمِينَ مِنْ حَمِيمٍ . أي : قريب ، وقيل : الحميم : هو الذي يهتم بأمر صاحبه ، ويسعى في دفع ما نزل به من البلاء . وقوله : وَلا شَفِيعٍ يُطاعُ . أي : يجاب : يذكر : ألا يكون لهم في الآخرة قريب يهتم لأمرهم ، ولا شفيع يشفع لهم ؛ فيجاب كما يكون في الدنيا ؛ وكذلك قوله : فَما تَنْفَعُهُمْ شَفاعَةُ الشَّافِعِينَ [ المدثر : 48 ] أي : لا يكون لهم شفعاء ينفعهم شفاعتهم ، وهو ما قال - عزّ وجل - في آية أخرى : وَلا خُلَّةٌ وَلا شَفاعَةٌ . . . الآية [ البقرة : 254 ] .
--> ( 1 ) انظر : تفسير البغوي ( 4 / 95 ) .