أبي منصور الماتريدي
8
تأويلات أهل السنة ( تفسير الماتريدي )
وقال القتبي : « تبارك » مشتق من البركة ، وكذلك قال الكسائي ، وقد ذكرنا ذلك . وقال أبو عوسجة : تنزيه ، مثل قولك : « تعالى » ، على ما ذكرنا ، وقال : الفرقان هو الحق ؛ فرق بين الحق والباطل ، والقرآن : هو من قرن بعض إلى بعض ، والزبور : هو اسم كتاب ، والزّبر : جميع ، وزبرت : كتبت ، والزّبر : قطع الحديد ، كقوله : آتُونِي زُبَرَ الْحَدِيدِ [ الكهف : 96 ] الواحد : زبرة ، والتوراة : اسم كتاب لا أظنه بالعربية . قال أبو معاذ : الأساطير : الأحاديث ، واحدها : أسطورة ، كأرجوزة وأراجيز ، وأحدوثة وأحاديث ، وأعجوبة وأعاجيب . وفي حرف حفصة : فهي تمل « 1 » عليه ، وهما لغتان ، وفي سورة البقرة : أَنْ يُمِلَّ هُوَ فَلْيُمْلِلْ وَلِيُّهُ بِالْعَدْلِ [ البقرة : 282 ] . وقوله : وَقالُوا ما لِهذَا الرَّسُولِ يَأْكُلُ الطَّعامَ وَيَمْشِي فِي الْأَسْواقِ كان الكفرة يطعنون رسول الله بشيئين : أحدهما : أنه من البشر ؛ بقولهم : ما هذا إِلَّا بَشَرٌ مِثْلُكُمْ [ المؤمنون : 24 ] و إِنْ أَنْتُمْ إِلَّا بَشَرٌ مِثْلُنا [ إبراهيم : 10 ] كانوا لا يرون أن يكون من البشر رسول كقوله : لَوْ لا أُنْزِلَ عَلَيْهِ مَلَكٌ الآية [ الأنعام : 8 ] ، وقولهم : لَوْ لا أُنْزِلَ إِلَيْهِ مَلَكٌ فَيَكُونَ مَعَهُ نَذِيراً ، ونحو ذلك . والثاني : كانوا يطعنون بالفقر والحاجة وصفارة اليد ؛ حيث قالوا : أَوْ يُلْقى إِلَيْهِ كَنْزٌ أَوْ تَكُونُ لَهُ جَنَّةٌ ، وحيث قالوا : يَأْكُلُ الطَّعامَ وَيَمْشِي فِي الْأَسْواقِ كأنهم ينكرون الرسالة في الفقراء وذوي الحاجة ، ويرونها في ذوي الملك والأموال ؛ ولذلك قالوا : لَوْ لا نُزِّلَ هذَا الْقُرْآنُ عَلى رَجُلٍ مِنَ الْقَرْيَتَيْنِ عَظِيمٍ [ الزخرف : 31 ] ، فعلى ذلك قولهم : يَأْكُلُ الطَّعامَ كما يأكل الفقراء ، وَيَمْشِي فِي الْأَسْواقِ في حوائجه كما يمشي الفقراء ، ولو كان رسولا لكان ملكا غنيّا يأكل طعام الملوك ، لا يقع له الحاجة إلى أن يمشي في الأسواق في حوائجه . فأجاب لهم في طعنهم فيه أنه بشر مثلهم ، وإنكارهم الرسالة في البشر بوجوه : أحدها : قولهم : لَوْ لا أُنْزِلَ إِلَيْهِ مَلَكٌ ، قال : وَلَوْ أَنْزَلْنا مَلَكاً لَقُضِيَ الْأَمْرُ الآية [ الأنعام : 8 ] ، معناه - والله أعلم - : أنه لا ينزل الملك إلا بالعذاب ، فلو أنزل لأنزل بالعذاب فأهلكوا . والثاني : ما قال : وَلَوْ جَعَلْناهُ مَلَكاً لَجَعَلْناهُ رَجُلًا [ الأنعام : 9 ] ، تأويله - والله أعلم - : أنه لم يجعل في وسع البشر رؤية الملك على صورته وعلى ما هو عليه ؛ إذ جنس هذا غير جنس أولئك ، وجوهرهم غير جوهر أولئك ، ولو جعلناه هكذا كنا لبسنا ما كان
--> ( 1 ) في أ : تملى .