أبي منصور الماتريدي

9

تأويلات أهل السنة ( تفسير الماتريدي )

يلبس أولئك القادة على الأتباع ؛ كقولهم : إنه ساحر وإنه كذاب وإنه مجنون ؛ فكان في ذلك تلبيس عليهم . والثالث : ما قال : قُلْ لَوْ كانَ فِي الْأَرْضِ مَلائِكَةٌ . . . الآية [ الإسراء : 95 ] أي : لو كان أهل الأرض ملائكة لكنا أنزلنا عليهم الرسول ملكا من جنسهم وجوهرهم ؛ لأنهم أعرف به وأظهر صدقا عندهم ممن هو من غير جوهرهم وجنسهم ، فإذا كان أهل الأرض بشرا فالرسول إذا كان منهم ، فهم أعرف به وصدقه أظهر عندهم ، وقلوبهم إليه أميل لا إلى من هو من غير جنسهم . وأجاب لطعنهم في أكله ومشيه في الأسواق حيث قال : وَما أَرْسَلْنا قَبْلَكَ مِنَ الْمُرْسَلِينَ إِلَّا إِنَّهُمْ لَيَأْكُلُونَ الطَّعامَ وَيَمْشُونَ فِي الْأَسْواقِ [ الفرقان : 20 ] في حوائجهم ، أي : غيره من الرسل الذين تؤمنون أنتم بهم كانوا فقراء ، يأكلون الطعام ويمشون في حوائج أنفسهم ، ثم لم يمنع ذلك عن أن يكونوا موضعا لرسالته ؛ فعلى ذلك محمد ، والفقير وذو الحاجة أحق أن يكون موضعا لرسالته من الغني الثري ؛ لأن الناس يتبعون الغني ومن له الملك والثروة ، فلو كان الرسول غنيّا مثريّا لكان لا يظهر متبع الحق من غيره ، وإذا كان فقيرا محتاجا لظهر ذلك ، اللهم إلا أن يكون ملكا هو آية الرسالة نحو ملك سليمان وداود ، وذلك لنفسه آية لرسالته على ما قال : وَهَبْ لِي مُلْكاً لا يَنْبَغِي لِأَحَدٍ مِنْ بَعْدِي [ ص : 35 ] ، والله أعلم . وقوله : لَوْ لا أُنْزِلَ إِلَيْهِ مَلَكٌ فَيَكُونَ مَعَهُ نَذِيراً : كأنهم قالوا ذلك لما نزل قوله : تَبارَكَ الَّذِي نَزَّلَ الْفُرْقانَ عَلى عَبْدِهِ لِيَكُونَ لِلْعالَمِينَ نَذِيراً [ الفرقان : 1 ] قالوا عند ذلك : لَوْ لا أُنْزِلَ عَلَيْهِ مَلَكٌ ، وقالوا : أَوْ يُلْقى إِلَيْهِ كَنْزٌ أَوْ تَكُونُ لَهُ جَنَّةٌ يَأْكُلُ مِنْها عند سماع قوله : الَّذِي لَهُ مُلْكُ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ [ الزخرف : 85 ] أي : قالوا : لو كان محمد رسول الله من له ملك السماوات والأرض ونذيرا للعالمين على ما يقول ، لكان أنزل معه ملك نذيرا ، ولكان أعطي هو كنزا أي : ما لا أو تكون له جنة يأكل منها على ما يكون لرسل ملوك الأرض . لكن الجواب لهم ما ذكر : تَبارَكَ الَّذِي إِنْ شاءَ جَعَلَ لَكَ خَيْراً مِنْ ذلِكَ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهارُ . . . الآية ، أي : لو شاء أعطاك خيرا مما يقولون من البنيان والقصور على ما أعطى غيرك ، لكن ليس فيما يمنع منقصة لك ، ولا فيما أعطاهم فضيلة . وقوله : وَقالَ الظَّالِمُونَ إِنْ تَتَّبِعُونَ أي : ما تتبعون ، إِلَّا رَجُلًا مَسْحُوراً : لا تزال عادتهم بنسبة الرسول إلى السحر والجنون والكذب . وقوله : انْظُرْ كَيْفَ ضَرَبُوا لَكَ الْأَمْثالَ فَضَلُّوا : فتأويله - والله أعلم - أي : انظر إلى