أبي منصور الماتريدي

13

تأويلات أهل السنة ( تفسير الماتريدي )

وقال القتبي « 1 » : تَغَيُّظاً وَزَفِيراً [ الفرقان : 12 ] أي : تغيظا عليهم ؛ كذلك قال المفسرون . وقال بعضهم : بل يسمعون فيها تغيظ المعذبين وزفيرهم واعتبروا ذلك بقول الله تعالى : لَهُمْ فِيها زَفِيرٌ وَشَهِيقٌ [ هود : 106 ] واعتبره الأولون بقوله : تَكادُ تَمَيَّزُ مِنَ الْغَيْظِ [ الملك : 8 ] هذا أشبه التفسيرين إن شاء الله ؛ لأنه قال : سَمِعُوا لَها ، ولم يقل : سمعوا فيها ، ولا منها . وقال : ثُبُوراً أي : بالهلكة ؛ كما يقول القائل : وا هلاكاه ، والله أعلم . قوله تعالى : [ سورة الفرقان ( 25 ) : الآيات 17 إلى 20 ] وَيَوْمَ يَحْشُرُهُمْ وَما يَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ فَيَقُولُ أَ أَنْتُمْ أَضْلَلْتُمْ عِبادِي هؤُلاءِ أَمْ هُمْ ضَلُّوا السَّبِيلَ ( 17 ) قالُوا سُبْحانَكَ ما كانَ يَنْبَغِي لَنا أَنْ نَتَّخِذَ مِنْ دُونِكَ مِنْ أَوْلِياءَ وَلكِنْ مَتَّعْتَهُمْ وَآباءَهُمْ حَتَّى نَسُوا الذِّكْرَ وَكانُوا قَوْماً بُوراً ( 18 ) فَقَدْ كَذَّبُوكُمْ بِما تَقُولُونَ فَما تَسْتَطِيعُونَ صَرْفاً وَلا نَصْراً وَمَنْ يَظْلِمْ مِنْكُمْ نُذِقْهُ عَذاباً كَبِيراً ( 19 ) وَما أَرْسَلْنا قَبْلَكَ مِنَ الْمُرْسَلِينَ إِلاَّ إِنَّهُمْ لَيَأْكُلُونَ الطَّعامَ وَيَمْشُونَ فِي الْأَسْواقِ وَجَعَلْنا بَعْضَكُمْ لِبَعْضٍ فِتْنَةً أَ تَصْبِرُونَ وَكانَ رَبُّكَ بَصِيراً ( 20 ) وقوله : وَيَوْمَ يَحْشُرُهُمْ وَما يَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ فَيَقُولُ أَ أَنْتُمْ أَضْلَلْتُمْ عِبادِي هؤُلاءِ أَمْ هُمْ ضَلُّوا السَّبِيلَ اختلف [ فيه ] : قال بعضهم : نحشر أولئك الذين عبدوا دون الله والمعبودين وهم الملائكة ؛ لأن من العرب من قد عبدوا الملائكة ؛ كقوله في آية أخرى : وَيَوْمَ يَحْشُرُهُمْ جَمِيعاً ثُمَّ يَقُولُ لِلْمَلائِكَةِ أَ هؤُلاءِ إِيَّاكُمْ كانُوا يَعْبُدُونَ . قالُوا سُبْحانَكَ أَنْتَ وَلِيُّنا مِنْ دُونِهِمْ . . . الآية : [ سبأ : 41 ] . وقال بعضهم « 2 » : هو عيسى يحشر بينه وبين من عبدوه ؛ لأنه قد عبد دون الله فيقول له ما ذكر ؛ كقوله : وَإِذْ قالَ اللَّهُ يا عِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ أَ أَنْتَ قُلْتَ لِلنَّاسِ . . . الآية [ المائدة : 116 ] . وقال بعضهم : يحشر الأصنام ومن عبدها ، ثم يأذن لها في الكلام فيقول : أَ أَنْتُمْ أَضْلَلْتُمْ عِبادِي هؤُلاءِ أَمْ هُمْ ضَلُّوا السَّبِيلَ ؛ كقوله : وَيَوْمَ نَحْشُرُهُمْ جَمِيعاً ثُمَّ نَقُولُ لِلَّذِينَ أَشْرَكُوا مَكانَكُمْ أَنْتُمْ وَشُرَكاؤُكُمْ فَزَيَّلْنا بَيْنَهُمْ إلى قوله : إِنْ كُنَّا عَنْ عِبادَتِكُمْ لَغافِلِينَ [ يونس : 29 ] ، ولو كان عيسى - عليه السلام - أو الملائكة لكانوا عالمين بعبادتهم إياهم غير غافلين ؛ دل ذلك أنها الأصنام التي عبدوها دون الله وإياها يسألون . وكل ذلك محتمل ؛ إذ قد كان منهم ذلك كله ، والله أعلم . وقوله : فَيَقُولُ أَ أَنْتُمْ أَضْلَلْتُمْ عِبادِي هؤُلاءِ أَمْ هُمْ ضَلُّوا السَّبِيلَ : والله - عزّ وجل -

--> ( 1 ) ينظر : تفسير غريب القرآن ص ( 310 ) . ( 2 ) قاله مجاهد ، أخرجه ابن جرير ( 26297 ) و ( 26298 ) ، والفريابي وابن أبي شيبة وعبد بن حميد وابن المنذر وابن أبي حاتم عنه ، كما في الدر المنثور ( 5 / 118 ) .