أبي منصور الماتريدي

14

تأويلات أهل السنة ( تفسير الماتريدي )

كان عالما لما كان منهم ، لكن السؤال إياهم - والله أعلم - يخرج مخرج توبيخ أولئك الكفرة وتعييرهم ؛ لأنهم يعبدون من ذكر من دون الله ، ويقولون : هم أمروهم بذلك ، وكانوا مقبولي القول عندهم صادقين فيما يخبرون ويقولون ، فأراد أن يظهر كذبهم عند الخلائق ؛ لذلك سألهم ، والله أعلم بالكائن منهم من أنفسهم ، لكنه يخرج على ما ذكرنا . ثم نزهوه عن جميع ما لا يليق به ، وبرءوا أنفسهم عن أن يكون منهم أمر أو شيء مما نسبه أولئك إليهم ، وهو أعلم بهم فقالوا : سُبْحانَكَ ما كانَ يَنْبَغِي لَنا أَنْ نَتَّخِذَ مِنْ دُونِكَ مِنْ أَوْلِياءَ قال أهل التأويل : أَوْلِياءَ أي : أربابا ، وهم لم يتخذوا أربابا من دونه ، لكنه عندنا يخرج على وجهين : أحدهما : ما كان ينبغي لنا أن نتخذ من دونه أولياء هم المؤمنون . الثاني : أو أن يكون : ما كان ينبغي لنا أن نتخذ من دون ولايتك ولاية سواك « 1 » . وفي بعض القراءات : أن نتخذ من دونك أولياء برفع النون ، لكن أهل الأدب يقولون : هو خطأ . وقوله : وَلكِنْ مَتَّعْتَهُمْ وَآباءَهُمْ حَتَّى نَسُوا الذِّكْرَ : هذا يحتمل وجهين : أحدهما : أن آباءهم قد أمهلوا ومتعوا في هذه الدنيا ، حتى ماتوا على ذلك من غير أن أصابهم شيء مما أوعدوا في كتابهم ، ومما أوعدهم الرسل من العذاب والهلاك على ما اختاروا من الدين وصنيعهم ، فظنوا أنهم على حق من ذلك ؛ حيث لم يصبهم من المواعيد المذكورة في كتابهم ، أو ما أوعدهم رسلهم بشيء ؛ فعلى هذا التأويل الذكر : الذي نسوه هو كتابهم ، أو ما أوعدهم رسلهم ، والله أعلم . فإن كان على هذا فالآية في أهل الكتاب منهم . ويحتمل أن تكون الآية في الفراعنة ، والقادة من هؤلاء الكفرة متعوا في هذه الدنيا بأحوال ورئاسة ، ووسع عليهم المعيشة ، حتى دعوا الناس وأتباعهم إلى ما هم عليه من التكذيب برسوله وما أنزل عليه ، فأجيبوا بالأموال عندهم ، فنسوا ما في القرآن من الوعيد . وَكانُوا قَوْماً بُوراً والبور : قال بعضهم : الهلاك . وقال بعضهم « 2 » : البور : الفساد . وقوله : فَقَدْ كَذَّبُوكُمْ : أي : فقد كذبكم أولئك ، بِما تَقُولُونَ : أنهم أمرونا بذلك ، وكانوا عندهم صدقة .

--> ( 1 ) ينظر : اللباب ( 14 / 498 ، 499 ) . ( 2 ) قاله قتادة ، أخرجه عبد بن حميد عنه ، كما في الدر المنثور ( 5 / 119 ) .