أبي منصور الماتريدي

93

تأويلات أهل السنة ( تفسير الماتريدي )

يدعوهم رسول الله إليه ؛ لأنه قال : يا أَيُّهَا النَّاسُ إِنْ كُنْتُمْ فِي شَكٍّ مِنْ دِينِي [ يونس : 104 ] فيشبه أن يكون الحق هو الدين الذي شكوا فيه ، أي : قد جاءكم ما يزيل عنكم ذلك الشك إن لم تكابروا لما أقام عليهم الحجج والبراهين . ويحتمل الحق محمدا صلى اللّه عليه وسلّم على ما ذكره بعض أهل التأويل وكان رسول الله في أول نشوئه إلى آخره آية . ويحتمل الحق القرآن على ما ذكره بعضهم وهو ما ذكر . لا يَأْتِيهِ الْباطِلُ مِنْ بَيْنِ يَدَيْهِ وَلا مِنْ خَلْفِهِ تَنْزِيلٌ مِنْ حَكِيمٍ حَمِيدٍ [ فصلت : 42 ] ، سماه بأسماء مختلفة سماه حقّا وسماه نورا وشفاء ورحمة وهدى ونحوه ، وفيه كل ما ذكر من تأمله وتفكر فيه وتمسك به . وقوله - عزّ وجل - : فَمَنِ اهْتَدى فَإِنَّما يَهْتَدِي لِنَفْسِهِ وَمَنْ ضَلَّ فَإِنَّما يَضِلُّ عَلَيْها أي : من اهتدى فإنما منفعة اهتدائه له في الدنيا والآخرة ، ومن ضل فإنما يرجع ضرر ضلالته إليه وخيانته عليه ، أي : ما يأمر وينهى ليس يأمر وينهى لمنفعة تحصل له أو لحاجة نفسه إنما يأمر وينهى لمنفعة الخلق ولحاجتهم . وقوله - عزّ وجل - : وَما أَنَا عَلَيْكُمْ بِوَكِيلٍ أي : بمسلط . قال بعض أهل التأويل : هو منسوخ ، نسخته آية القتال ، لكنه لا يحتمل لأنه وإن كان مأمورا بالقتال فهو ليس بوكيل ولا بمسلط « 1 » على حفظ أعمالهم ، إنما عليه التبليغ ؛ كقوله : إِنْ عَلَيْكَ إِلَّا الْبَلاغُ [ الشورى : 48 ] ؛ وكقوله : فَإِنْ تَوَلَّوْا فَإِنَّما عَلَيْهِ ما حُمِّلَ وَعَلَيْكُمْ ما حُمِّلْتُمْ [ النور : 54 ] ؛ وكقوله : ما عَلَيْكَ مِنْ حِسابِهِمْ مِنْ شَيْءٍ . . . الآية [ الأنعام : 52 ] . وقوله - عزّ وجل - : وَاتَّبِعْ ما يُوحى إِلَيْكَ يحتمل القرآن وغيره من الوحي غير القرآن . وقوله - عزّ وجل - : وَاصْبِرْ حَتَّى يَحْكُمَ اللَّهُ أي : اصبر على أذاهم لأنهم كانوا يؤذونه ويقولون فيه بما لا يليق به ، يقول : اصبر على أذاهم ولا تعجل [ عليهم ] « 2 » بالعقوبة حتى يحكم الله عليهم بالعقوبة وقت عقوبته وهو خير الحاكمين ، أو اصبر على تكذيبهم إياك حتى يحكم الله بينك وبين مكذبيك وهو خير الحاكمين ، أو اصبر على تبليغ الرسالة والقيام لما أمرت به ، والله أعلم « 3 » . * * *

--> ( 1 ) أخرجه ابن جرير ( 6 / 619 ) ( 17928 ) عن ابن زيد ، وذكره السيوطي في الدر ( 3 / 575 ) وزاد نسبته لابن أبي حاتم عن ابن زيد . ( 2 ) سقط في ب . ( 3 ) في أ : والله الموفق .