أبي منصور الماتريدي
8
تأويلات أهل السنة ( تفسير الماتريدي )
الأوقات ، لكنه خص ذلك اليوم بالمرجع إليه لما أن الخلائق كلهم يعلمون يومئذ أنهم راجعون إليه ؛ وكذلك قوله : وَبَرَزُوا لِلَّهِ جَمِيعاً [ إبراهيم : 21 ] هم بارزون له في الدنيا والآخرة ، لكنهم يومئذ يعرفون ويقرون بالبروز له . وكذلك : الْمُلْكُ يَوْمَئِذٍ لِلَّهِ [ الحج : 56 ] الملك لله في الدنيا والآخرة وفي الأوقات جميعا ، لكنه خص ذلك اليوم لما لا ينازع في الملك في ذلك اليوم ، [ ويقرون بالملك له في ذلك اليوم ] « 1 » وفي الدنيا من قد نازع في ملكه . هذا - والله أعلم - وجه التخصيص لذلك اليوم بالملك ، وإن كان الملك في الدارين جميعا فعلى ذلك المرجع ، أو سمى البعث رجوعا إليه ؛ لما المقصود من إنشائه البعث ، فسماه بذلك لما ذكرنا ؛ لأنه لو لم يكن المقصود من إنشائه إياهم سوى الإنشاء والإفناء ، كان خلقه إياهم عبثا وباطلا ؛ كقوله : أَ فَحَسِبْتُمْ أَنَّما خَلَقْناكُمْ عَبَثاً وَأَنَّكُمْ إِلَيْنا لا تُرْجَعُونَ [ المؤمنون : 115 ] . وقوله - عزّ وجل - : وَعْدَ اللَّهِ حَقًّا . يحتمل وَعْدَ اللَّهِ حَقًّا : البعث الذي ذكر أنه يبدأ الخلق ثم يعيده . ويحتمل وَعْدَ اللَّهِ حَقًّا من الثواب والعقاب في الآخرة ؛ الثواب للمحسن منهم والعقاب للمسيئ . وقوله : إِنَّهُ يَبْدَؤُا الْخَلْقَ ثُمَّ يُعِيدُهُ أي : عرفتم أنه هو الذي يراكم والخلق جميعا ، فكذلك هو يعيدكم بعد إفنائكم ؛ إذ بدء الشيء على غير مثال أشد عندكم من إعادته على مثال ؛ كقوله : وَهُوَ الَّذِي يَبْدَؤُا الْخَلْقَ ثُمَّ يُعِيدُهُ وَهُوَ أَهْوَنُ عَلَيْهِ [ الروم : 27 ] ، أي : إعادة الشيء أهون عندكم من بدئه . وقوله - عزّ وجل - : لِيَجْزِيَ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحاتِ بِالْقِسْطِ . قيل « 2 » : بالعدل ، لكن ما يجزيهم ، إنما يجزيهم إفضالا وإحسانا لا استيجابا واستحقاقا . ثم يحتمل قوله : بِالْقِسْطِ وجوها : أحدها : أنه يجزي المحسنين جزاء الإحسان ، والمسئ جزاء الإساءة ، ويفصل بين [ العدو والولي ] « 3 » في الآخرة في الجزاء ، ويجعل للولي علامة وأثرا يعرف بهما من العدو ؛ إذ لم يفصل في الدنيا بين الأولياء والأعداء في الرزق وما يساق إليهم من النعيم ،
--> ( 1 ) سقط في أ . ( 2 ) قاله مجاهد ، أخرجه ابن جرير عنه ( 17567 ) . ( 3 ) في أ : الولي والعدو .