أبي منصور الماتريدي
9
تأويلات أهل السنة ( تفسير الماتريدي )
ولا يجعل علامة يعرف بها الولي من العدو وجعل في الآخرة ذلك حتى يعرف هذا من هذا ، فهذا العدل الذي ذكرنا يشبه « 1 » أن يكون هو ذلك . ويحتمل بِالْقِسْطِ الوزن ، أي : يجزيهم بالوزن على تعديل النوع بالنوع لا على القدر ، أي : يجزي بالحسنة قدرا لا يزيد على ذلك ، ولكن يجزي للخير خيرا وللحسنة حسنة وللسيئة سيئة . ويحتمل قوله : لِيَجْزِيَ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحاتِ [ الروم : 45 ] بالعدل ، أي : يجزي الذين عملوا بالعدل لم يجوروا فيه ولا جاوزوا الحد الذي حد لهم ، ولكن عملوا بالعدل فيه ، ويشبه أن يكون على تقديم العدل ليجزي الذين آمنوا بالعدل ، أي : لا يعذبهم في النار إذا آمنوا ، ثم الذين عملوا الصالحات يوفيهم أجورهم ويزيدهم من فضله ، والله أعلم بالصواب ذلك . وقوله - عزّ وجل - : لِيَجْزِيَ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحاتِ بِالْقِسْطِ أي : يجزيهم في الآخرة بما أقسطوا في الدنيا وعدلوا ، فيكون القسط على هذا التأويل نعتا لهم . وإن كان ما ذكر من القسط راجعا إلى الله ووصفا له فهو يخرج على وجوه : أحدها : يجزي فريقا من المؤمنين بالعدل ، يجزي لإحسانهم جزاء الإحسان ، [ ولإساءتهم جزاء الإساءة ؛ فيكون جزاء بالعدل ، ويجزي فريقا آخر منهم بالفضل والإحسان : يجزي بحسناتهم جزاء الحسنة ، ] « 2 » ويكفر عن سيئاتهم ؛ وهو كقوله : أُولئِكَ الَّذِينَ نَتَقَبَّلُ عَنْهُمْ أَحْسَنَ ما عَمِلُوا الآية [ الأحقاف : 16 ] ، وقوله : إِنَّ اللَّهَ لا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ . . . الآية [ النساء : 48 ، 116 ] . والثاني : يجزيهم بالفضل ؛ إذ العدل هو وضع الشيء موضعه ، أي : يضع الفضل في أهله لا يضعه في غير أهله ، ووضع الفضل في أهل الإيمان عدل ، إذ هم أهل له - والله أعلم - وهو كقوله : وَيُؤْتِ كُلَّ ذِي فَضْلٍ فَضْلَهُ [ هود : 3 ] . والثالث : العدل الذي هو مقابل الإحسان وهو الفضل لا العدل الذي هو ضد الجور ؛ كقوله : وَلَنْ تَسْتَطِيعُوا أَنْ تَعْدِلُوا بَيْنَ النِّساءِ الآية [ النساء : 129 ] ، لا يحتمل أن يقول : لن تستطيعوا أن تعدلوا بين النساء في العدل الذي هو ضد الجور [ لأن ] في مثل هذا يستطيعون أن يعدلوا بينهم ؛ فعلى ذلك قوله : لِيَجْزِيَ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحاتِ [ الروم : 45 ] بالعدل الذي هو مقابل الإحسان وهو الفضل ؛ إذ للفضل درجات ، وأصله
--> ( 1 ) في أ : ليشبه . ( 2 ) ما بين المعقوفين سقط في أ .