أبي منصور الماتريدي

70

تأويلات أهل السنة ( تفسير الماتريدي )

وقال بعضهم : ثم اقضوا إلي أي امضوا إلي كقوله : فَراغَ إِلى أَهْلِهِ [ الذاريات : 26 ] و فَراغَ إِلى آلِهَتِهِمْ [ الصافات : 91 ] ونحوه . وقوله - عزّ وجل - : فَإِنْ تَوَلَّيْتُمْ فَما سَأَلْتُكُمْ مِنْ أَجْرٍ : التولي اسم لأمرين : اسم للإعراض والإدبار ؛ كقوله : وَإِذا تَوَلَّى سَعى فِي الْأَرْضِ [ البقرة : 205 ] ، واسم للإقبال والقبول أيضا ؛ كقوله : وَمَنْ يَتَوَلَّ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَالَّذِينَ آمَنُوا . . . الآية [ المائدة : 56 ] ونحوه ، فهاهنا يحتمل الأمرين جميعا ، أي : فإن توليتم أي أقبلتم وقبلتم ما أعرضه عليكم وأدعوكم إليه ، فَما سَأَلْتُكُمْ مِنْ أَجْرٍ أي : ما أجري إلا على الله . وإن كان في الإعراض فكأنه يقول : كيف أعرضتم عن قبوله ، ولم أسألكم على ذلك أجرا فيكون لكم عذر في الإعراض والرد ؟ ! كقوله : أَمْ تَسْئَلُهُمْ أَجْراً الآية [ الطور : 40 ] ، أي : لم أسألكم على ما أعرضه عليكم وأدعوكم إليه غرما حتى يثقل عليكم ذلك العزم ، فيمنعكم ثقل الغرم عن الإجابة ، ففي هذه الآية وغيرها دلالة منع أخذ الأجر على تعليم القرآن والعلم ؛ لأنه لو جاز أخذ الأجر على ذلك لكان لهم عذر ألا يبذلوا ذلك ولا يتعلموا شيئا من ذلك ، وفي ذلك هدم شرائع الله وإسقاطها ، والله أعلم . وقوله - عزّ وجل - : وَأُمِرْتُ أَنْ أَكُونَ مِنَ الْمُسْلِمِينَ أي : مسلما نفسي إلى الله ، أي : سالما ، لا أجعل لأحد سواه فيها حقا ولا حظا ، أو أمرت أن أكون من المخلصين [ لله ] « 1 » والخاضعين له ؛ هو يحتمل ذلك كله . وقوله - عزّ وجل - : فَكَذَّبُوهُ يعني : نوحا كذبه قومه فيما ادعى من الرسالة ، أو ما آتاهم من الآيات ، أو ما أوعدهم « 2 » من العذاب بتكذيبهم إياه . فَنَجَّيْناهُ يعني نوحا ، وَمَنْ مَعَهُ فِي الْفُلْكِ أي : من ركب معه الفلك من المؤمنين . وَجَعَلْناهُمْ خَلائِفَ يحتمل خلائف خلفاء في الأرض وسكانا يخلف بعضهم بعضا ، ويحتمل جعلناهم خلائف أي خلف قوم أهلكوا واستؤصلوا بالتكذيب . وَأَغْرَقْنَا الَّذِينَ كَذَّبُوا بِآياتِنا : يحتمل الآيات الحجج والبراهين التي أقامها على ما ادعى من الرسالة . ويحتمل قوله : كَذَّبُوا بِآياتِنا العذاب الذي أوعدهم بتكذيبهم إياه فيما وعد . وقوله - عزّ وجل - : فَانْظُرْ كَيْفَ كانَ عاقِبَةُ الْمُنْذَرِينَ : كان أنذر « 3 » الفريقين جميعا

--> ( 1 ) سقط في ب . ( 2 ) في أ : أوردهم . ( 3 ) في أ : إنذار .