أبي منصور الماتريدي
71
تأويلات أهل السنة ( تفسير الماتريدي )
المؤمن والكافر جميعا ؛ كقوله : إِنَّما تُنْذِرُ مَنِ اتَّبَعَ الذِّكْرَ [ يس : 11 ] فإذا كان ما ذكرنا فيكون تأويله : فانظر كيف كان عاقبة من أجاب ومن لم يجب : عاقبة من أجاب الثواب ، وعاقبة من لم يجب العذاب « 1 » . ويحتمل المنذرين الذين لم يقبلوا الإنذار ولم يجيبوا ، أي : انظر كيف كان عاقبتهم بالهلاك والاستئصال ، ويكون تأويل قوله : إِنَّما تُنْذِرُ مَنِ اتَّبَعَ الذِّكْرَ [ يس : 11 ] أي : إنما يقبل الإنذار من اتبع الذكر ، أو إنما ينتفع بالإنذار من اتبع الذكر ، أو أما من لم يتبع الذكر لم ينتفع ، والله أعلم . وقوله - عزّ وجل - : ثُمَّ بَعَثْنا مِنْ بَعْدِهِ رُسُلًا أي : من بعد نوح رسلا إلى قومهم ، أي : بعثنا إلى كل قوم رسولا ، لا أنه بعث الرسل جملة إلى قومهم ، ولكن واحدا على أثر واحد . فَجاؤُهُمْ بِالْبَيِّناتِ : يحتمل البينات الحجج والبراهين التي أقاموها على ما ادعوا من الرسالة والنبوة . ويحتمل البينات بيان ما عليهم أن يأتوا ويتقوا . ويحتمل البينات بما أخبروهم وأنبئوا قومهم بالعذاب أنه نازل بهم في الدنيا . وقوله - عزّ وجل - : فَما كانُوا لِيُؤْمِنُوا بِما كَذَّبُوا بِهِ مِنْ قَبْلُ قال بعضهم : ما كان كفار مكة ليؤمنوا وليصدقوا بالآيات والبيانات كما لم يصدق به أوائلهم . وقال بعضهم : قوله : بِما كَذَّبُوا بِهِ مِنْ قَبْلُ أي : قبل بعث الرسل ، ففيه دلالة أن أهل الفترة يؤاخذون بالتكذيب في حال الفترة . ويحتمل قوله : بِما كَذَّبُوا بِهِ مِنْ قَبْلُ أي : من قبل إتيان البينات ، أي : ما كانوا ليؤمنوا بعد ما جاءوا بالبينات بما كذبوا به من قبل مجيء البينات . كَذلِكَ نَطْبَعُ عَلى قُلُوبِ الْمُعْتَدِينَ أي : هكذا نطبع على قلوب أهل مكة كما طبعنا على قلوب أوائلهم ؛ إذ علم أنهم لا يقبلون الآيات ولا يؤمنون بها ، والاعتداء هو الظلم مع العناد والمجاوزة عن الحد الذي جعل . وقوله - عزّ وجل - : فَما كانُوا لِيُؤْمِنُوا بِما كَذَّبُوا مِنْ قَبْلُ هو يخرج على وجهين ؛ أحدهما : ما كانوا ليؤمنوا بالبينات إذا جاءتهم البينات على السؤال ، وهكذا عادتهم أنهم لا يؤمنون بالآيات إذا أتتهم على السؤال . والثاني : ما كانوا ليؤمنوا بما كذبوا على علم منهم أنها آيات وأنه رسول ؛ والله أعلم .
--> ( 1 ) في أ : العقاب .