أبي منصور الماتريدي
598
تأويلات أهل السنة ( تفسير الماتريدي )
كُتِبَ عَلَيْكُمُ الْقِصاصُ فِي الْقَتْلى . . . الآية [ البقرة : 178 ] « 1 » . وقوله - عزّ وجلّ - : وَلَئِنْ صَبَرْتُمْ . على ذلك . لَهُوَ خَيْرٌ أي : الصبر خير لِلصَّابِرِينَ . ودل قوله : وَلَئِنْ صَبَرْتُمْ لَهُوَ خَيْرٌ لِلصَّابِرِينَ على أن الآية في القصاص لا في الحرب ؛ لأنه في الحرب لا يقال اصبر ولا تصبر ، بل يكون الصبر جهادا ؛ دل أنه في غير المحاربة ، والله أعلم . وقوله - عزّ وجل - : وَاصْبِرْ وَما صَبْرُكَ إِلَّا بِاللَّهِ . أي : ما توفيقك على الصّبر إلا بالله ؛ كقول شعيب : وَما تَوْفِيقِي إِلَّا بِاللَّهِ . . . الآية
--> ( 1 ) قال الواحدي - رحمه الله - : هذه الآية فيها ثلاثة أقوال : أحدها : وهو قول ابن عباس في رواية عطاء وأبي بن كعب والشعبي - رضي الله عنهم - : أن النبي ( لما رأى حمزة وقد مثلوا به ، قال : « والله لأمثلن بسبعين منهم مكانك » ؛ فنزل جبريل - صلوات الله وسلامه عليه - بخواتيم سورة النحل ، فكف رسول الله صلى اللّه عليه وسلّم وأمسك عما أراد ؛ وعلى هذا قالوا : سورة النحل مكية إلا هذه الثلاث آيات . والقول الثاني : أن هذا كان قبل الأمر بالسيف والجهاد ، حين كان المسلمون لا يبدءون بالقتال ، ولا يقاتلون إلا من قاتلهم ، ويدل عليه قوله - تعالى - : وَقاتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ الَّذِينَ يُقاتِلُونَكُمْ وَلا تَعْتَدُوا [ البقرة : 190 ] ، وفي هذه الآية أمروا بأن يعاقبوا بمثل ما يصيبهم من العقوبة ولا يزيدوا ، فلما أعز الله الإسلام وأهله ، نزلت « براءة » وأمروا بالجهاد ، ونسخت هذه الآية ، قاله ابن عباس والضحاك . والقول الثالث : أن المقصود من هذه الآية نهي المظلوم عن استيفاء الزيادة من الظالم ، وهذا قول مجاهد ، والنخعي ، وابن سيرين . وقال ابن الخطيب : وحمل هذه الآية على قصة لا تعلق لها بما قبلها ، يوجب حصول سوء الترتيب في كلام الله - تعالى - وهو في غاية البعد ، بل الأصوب عندي أن يقال : إنه - تعالى - أمر محمدا بدعوة الخلق إلى الدين الحق بأحد الطرق الثلاثة ، وهي الحكمة ، والموعظة ، والجدال بالطريق الأحسن ، ثم إن تلك الدعوة تتضمن أمرهم بالرجوع عن دين آبائهم وأسلافهم ، والحكم عليهم بالكفر والضلالة ، وذلك مما يشوش قلوبهم ، ويوحش صدورهم ، ويحمل أكثرهم على قصد ذلك الداعي بالقتل تارة ، وبالضرب ثانيا ، وبالشتم ثالثا ، ثم إن ذلك الداعي المحق إذا تسمع تلك السفاهات ، لا بد وأن يحمله طبعه على تأديب أولئك السفهاء ، تارة بالقتل ، وتارة بالضرب ، فعند هذا أمر المحقين في هذا المقام برعاية العدل والإنصاف ، وترك الزيادة ، فهذا هو الوجه الصحيح الذي يجب حمل الآية عليه . فإن قيل : فكيف تقدحون فيما روي أنه - صلوات الله وسلامه عليه - ترك العزم على المثلة ، وكفر عن يمينه بسبب هذه الآية ؟ قلنا : لا حاجة إلى القدم في تلك الرواية ؛ لأنا نقول : تلك الواقعة داخلة في عموم هذه الآية ، فيمكن التمسك بتلك الواقعة بعموم هذه الآية ، وذلك لا يوجب سوء الترتيب في كلام الله تعالى . ينظر : اللباب ( 12 / 188 ، 189 ) .