أبي منصور الماتريدي

599

تأويلات أهل السنة ( تفسير الماتريدي )

[ هود : 88 ] . والثاني : واصبر وما صبرك إلا بالله ، أي : تركك القصاص لأمر الله ؛ حيث أمرك به ، لا لضعف أو عجز فيك . وقوله - عزّ وجل - : وَلا تَحْزَنْ عَلَيْهِمْ . قال : إنه كان يحزن ويضيق صدره ؛ لمكان كفرهم بالله ، وتركهم الإيمان بالله ؛ كقوله : لَعَلَّكَ باخِعٌ نَفْسَكَ أَلَّا يَكُونُوا مُؤْمِنِينَ [ الشعراء : 2 ] ، وقوله : فَلا تَذْهَبْ نَفْسُكَ عَلَيْهِمْ حَسَراتٍ [ فاطر : 8 ] ؛ فقال : وَلا تَحْزَنْ عَلَيْهِمْ : لذلك على التسلي والتخفيف لا على النهي عن ذلك . ويحتمل : أن يكون قوله : وَلا تَحْزَنْ : على المؤمنين الذين قتلوا واستشهدوا ؛ لأنهم مستبشرون فرحون عند ربّهم بما آتاهم الله من فضله [ ؛ كقوله : بَلْ أَحْياءٌ عِنْدَ رَبِّهِمْ يُرْزَقُونَ . فَرِحِينَ بِما آتاهُمُ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ ] « 1 » أي : لا تحزن عليهم ، وهم فيما ذكر . أو لا تحزن على المؤمنين ، ولا يضيقن صدرك مما يمكر بك أولئك الكفرة ؛ إذ كانوا يكفرون برسول الله وبأصحابه ويؤذونهم ، أخبر أن لا يضيقن صدرك لذلك . وقال بعضهم : نزلت في أمر حمزة سيّد الشهداء : أنه مثل به وجرح جراحات عظيمة ؛ فاشتد على النبي صلى اللّه عليه وسلّم فقال : « لئن ظفرنا بأولئك لنفعلنّ كذا ولنفعلنّ كذا » ؛ فنزلت الآية : وَإِنْ عاقَبْتُمْ فَعاقِبُوا بِمِثْلِ ما عُوقِبْتُمْ بِهِ . . . « 2 » ، لكن إن ثبت هذا فإنه يكون في الوقت الذي كان يؤخذ غيره - القاتل والجارح - بالقتل ، وذلك قد كان في الابتداء ؛ ألا ترى أنّه قال : الْحُرُّ بِالْحُرِّ وَالْعَبْدُ بِالْعَبْدِ . . . [ البقرة : 178 ] : كانوا همّوا أن يأخذوا الحرّ بالعبد والذكر بالأنثى ، حتى نزل هذا فصار منسوخا به ، وبقوله : وَلَكُمْ فِي الْقِصاصِ حَياةٌ [ البقرة : 179 ] ، ولو كان يؤخذ غير القاتل بالقصاص - لم يكن فيه حياة ، أو إن قالوا في الحرب مع الكفرة فذلك لا يحتمل ؛ لأنه في الحرب لهم أن يقتلوا الكل ، وألا يتركوا واحدا منهم ؛ دلّ أنه يخرج على أحد وجهين : على النسخ الذي ذكرنا . أو على النهي عن أخذ أكثر من حقه ، وكقوله : فَاعْتَدُوا عَلَيْهِ . . . الآية [ البقرة : 194 ] . وقوله - عزّ وجل - : إِنَّ اللَّهَ مَعَ الَّذِينَ اتَّقَوْا .

--> ( 1 ) سقط في أ . ( 2 ) تقدم .