أبي منصور الماتريدي

589

تأويلات أهل السنة ( تفسير الماتريدي )

والثاني : جهل ما يحل به بعمله السوء . ثم [ قوله ] « 1 » إِنَّ رَبَّكَ لِلَّذِينَ عَمِلُوا السُّوءَ بِجَهالَةٍ . . . إلى آخره ، يمكن « 2 » أن يكون في الآية إضمار لم يذكر ؛ لأنه قال : ثُمَّ إِنَّ رَبَّكَ لِلَّذِينَ عَمِلُوا السُّوءَ بِجَهالَةٍ ثُمَّ تابُوا مِنْ بَعْدِ ذلِكَ وَأَصْلَحُوا ثم كرر ذلك الحرف على الابتداء من غير أن ذكر له جواب ، وهو قوله إِنَّ رَبَّكَ لِلَّذِينَ عَمِلُوا السُّوءَ بِجَهالَةٍ مِنْ بَعْدِها لَغَفُورٌ رَحِيمٌ . فظاهر الجواب أن يقول : ثُمَّ إِنَّ رَبَّكَ لِلَّذِينَ عَمِلُوا السُّوءَ بِجَهالَةٍ ثُمَّ تابُوا مِنْ بَعْدِ ذلِكَ لَغَفُورٌ رَحِيمٌ ؛ على ما ذكرنا في قوله : ثُمَّ إِنَّ رَبَّكَ لِلَّذِينَ هاجَرُوا . . . الآية [ النحل : 110 ] ؛ لكن يخرج على الإضمار ، أو على التكرار : على إرادة التأكيد ، أو على الابتداء والاكتفاء بجواب ذكره في موضع آخر . ثم قال : إِلَّا الَّذِينَ تابُوا مِنْ بَعْدِ ذلِكَ وَأَصْلَحُوا فَإِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ * : هذا - والله أعلم - جوابه ، أي : إن ربك من بعد التوبة لغفور رحيم ، فهموا قبل أن يعمل السوء ، والعرب قد تكرر أشياء على إرادة التأكيد ، والله أعلم . قوله تعالى : [ سورة النحل ( 16 ) : الآيات 120 إلى 124 ] إِنَّ إِبْراهِيمَ كانَ أُمَّةً قانِتاً لِلَّهِ حَنِيفاً وَلَمْ يَكُ مِنَ الْمُشْرِكِينَ ( 120 ) شاكِراً لِأَنْعُمِهِ اجْتَباهُ وَهَداهُ إِلى صِراطٍ مُسْتَقِيمٍ ( 121 ) وَآتَيْناهُ فِي الدُّنْيا حَسَنَةً وَإِنَّهُ فِي الْآخِرَةِ لَمِنَ الصَّالِحِينَ ( 122 ) ثُمَّ أَوْحَيْنا إِلَيْكَ أَنِ اتَّبِعْ مِلَّةَ إِبْراهِيمَ حَنِيفاً وَما كانَ مِنَ الْمُشْرِكِينَ ( 123 ) إِنَّما جُعِلَ السَّبْتُ عَلَى الَّذِينَ اخْتَلَفُوا فِيهِ وَإِنَّ رَبَّكَ لَيَحْكُمُ بَيْنَهُمْ يَوْمَ الْقِيامَةِ فِيما كانُوا فِيهِ يَخْتَلِفُونَ ( 124 ) وقوله - عزّ وجلّ - : إِنَّ إِبْراهِيمَ كانَ أُمَّةً قانِتاً . قال عبد الله بن مسعود « 3 » : الأمة : الذي يعلم الناس الخير ، والقانت : المطيع لله . وقال بعضهم : أمة قانتا ، أي : مؤمنا وحده والناس كلهم كفار . وقال بعضهم « 4 » : كان أمة ، أي : إماما يقتدى به [ في كل خير ؛ كقوله : إِنِّي جاعِلُكَ لِلنَّاسِ إِماماً [ البقرة : 124 ] .

--> ( 1 ) سقط في أ . ( 2 ) في ب : يجيء . ( 3 ) أخرجه ابن جرير ( 21970 ) و ( 21975 ) ، وعبد الرزاق والفريابي وسعيد بن منصور وابن المنذر وابن أبي حاتم والطبراني وابن مردويه والحاكم وصححه ، كما في الدر المنثور ( 4 / 253 ) . ( 4 ) قاله قتادة ، أخرجه ابن جرير ( 21982 ) ، وابن أبي حاتم عنه ، كما في الدر المنثور ( 4 / 253 ) .