أبي منصور الماتريدي
588
تأويلات أهل السنة ( تفسير الماتريدي )
في تحليل ما حرم عليهم ، وفي تحريم ما أحله ، وقولهم : وَاللَّهُ أَمَرَنا بِها [ الأعراف : 38 ] . وقوله - عزّ وجلّ - : لا يُفْلِحُونَ . أي : لا يفلحون وهم مفترون على الله ، وأمّا إذا انتزعوا من الافتراء وتابوا أفلحوا ، ولا يفلحون في الآخرة ؛ إذا كانوا مفترين على الله في الدنيا . ثم قوله : مَتاعٌ قَلِيلٌ . على الابتداء ؛ وإنما سمّى قليلا - والله أعلم - لوجوه : أحدها : أن متاع الدنيا على الزوال والانقطاع ؛ فكل ما كان على شرف الزوال والانقطاع فهو قليل ، كما قيل لكلّ آت : قريب ؛ لما يأتي لا محالة ؛ فعلى ذلك كل زائل منقطع - قليل . والثاني : سمي قليلا ؛ لما هو مشوب بالآفات والأحزان وأنواع البلايا والشدائد ؛ فهو قليل في الحقيقة ، أو أنّه سمّاه قليلا ؛ لما أن متاع الدنيا قليل عما وعد في الآخرة ؛ فمتاعها من متاع الآخرة قليل ؛ لما ليس فيها الوجوه التي ذكرنا ، والله أعلم . وقوله - عزّ وجلّ - : وَعَلَى الَّذِينَ هادُوا حَرَّمْنا ما قَصَصْنا عَلَيْكَ مِنْ قَبْلُ . وهو ما قصّ في سورة الأنعام ، وهو قوله : حَرَّمْنا عَلَيْهِمْ شُحُومَهُما إلى قوله : ذلِكَ جَزَيْناهُمْ بِبَغْيِهِمْ ، وقوله : فَبِظُلْمٍ مِنَ الَّذِينَ هادُوا . . . الآية [ النساء : 160 ] . طوقوا له - عزّ وجلّ - : وَما ظَلَمْناهُمْ . بتحريم ما حرمنا عليهم ؛ لأنا إنما حرمنا عليهم تلك الطيبات عقوبة لهم ، وهو ما قال في سورة النساء ، وهو قوله : فَبِظُلْمٍ مِنَ الَّذِينَ هادُوا [ النساء : 160 ] ، وهو ما قال : ذلِكَ جَزَيْناهُمْ بِبَغْيِهِمْ [ الأنعام : 146 ] أخبر أنه إنما حرم عليهم ذلك ؛ بظلم كان منهم عقوبة وجزاء لبغيهم ، لكن هم ظلموا أنفسهم في ذلك . أو أن يكون قوله : وَما ظَلَمْناهُمْ ؛ لأنهم عبيده وإماؤه ؛ ولله أن يمتحن عباده وإماءه بتحريم مرة ، وبتحليل ثانيا ، ولكن ظلموا أنفسهم ؛ حيث وجهوها إلى غير مالكها ، أو صرفوا شكر ما أنعم عليهم إلى غيره . وقوله - عزّ وجلّ - : ثُمَّ إِنَّ رَبَّكَ لِلَّذِينَ عَمِلُوا السُّوءَ بِجَهالَةٍ . أي : عمل السوء بجهالة ، ويحتمل وجهين : أحدهما : أن الفعل فعل جاهل وسفيه وإن لم يجهل ؛ يقال لمن عمل السوء : يا جاهل يا سفيه .