أبي منصور الماتريدي
545
تأويلات أهل السنة ( تفسير الماتريدي )
فمن قدر على جعل السمع حتى يسمع الأصوات ويميز بينها ، والبصر ليبصر ويميز بين ألوان الأجسام ، والفؤاد « 1 » ليفهم ويعقل ما له وما عليه ، ما لا يدركون ماهية ما به يسمعون ويبصرون ويعقلون ، وما به يميزون بين ما ذكرنا فهو قادر على إنشاء الخلق بعد الفناء والإعادة بعد الموت . ثم ذكر على أثر قوله : لا تَعْلَمُونَ شَيْئاً : السمع والبصر والأفئدة ؛ فذلك يدل على أن هذه الأشياء من أسباب العلم بالأشياء ، بها يوصل إلى العلم بالأشياء ؛ فمن أعطي أسباب العلم بالشيء فكأن قد أعطي له العلم به ، والله أعلم . وقوله - عزّ وجل - : لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ . هو حرف شك في الظاهر ؛ ذكر - والله أعلم - لأنه لا كل الناس يشكرون نعمه ، أو لكي يلزمهم الشكر . قوله تعالى : [ سورة النحل ( 16 ) : الآيات 79 إلى 83 ] أَ لَمْ يَرَوْا إِلَى الطَّيْرِ مُسَخَّراتٍ فِي جَوِّ السَّماءِ ما يُمْسِكُهُنَّ إِلاَّ اللَّهُ إِنَّ فِي ذلِكَ لَآياتٍ لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ ( 79 ) وَاللَّهُ جَعَلَ لَكُمْ مِنْ بُيُوتِكُمْ سَكَناً وَجَعَلَ لَكُمْ مِنْ جُلُودِ الْأَنْعامِ بُيُوتاً تَسْتَخِفُّونَها يَوْمَ ظَعْنِكُمْ وَيَوْمَ إِقامَتِكُمْ وَمِنْ أَصْوافِها وَأَوْبارِها وَأَشْعارِها أَثاثاً وَمَتاعاً إِلى حِينٍ ( 80 ) وَاللَّهُ جَعَلَ لَكُمْ مِمَّا خَلَقَ ظِلالاً وَجَعَلَ لَكُمْ مِنَ الْجِبالِ أَكْناناً وَجَعَلَ لَكُمْ سَرابِيلَ تَقِيكُمُ الْحَرَّ وَسَرابِيلَ تَقِيكُمْ بَأْسَكُمْ كَذلِكَ يُتِمُّ نِعْمَتَهُ عَلَيْكُمْ لَعَلَّكُمْ تُسْلِمُونَ ( 81 ) فَإِنْ تَوَلَّوْا فَإِنَّما عَلَيْكَ الْبَلاغُ الْمُبِينُ ( 82 ) يَعْرِفُونَ نِعْمَتَ اللَّهِ ثُمَّ يُنْكِرُونَها وَأَكْثَرُهُمُ الْكافِرُونَ ( 83 ) وقوله - عزّ وجل - : أَ لَمْ يَرَوْا إِلَى الطَّيْرِ مُسَخَّراتٍ فِي جَوِّ السَّماءِ ما يُمْسِكُهُنَّ إِلَّا اللَّهُ . أي : من قدر على إمساك الطير ، وهي أجسام كغيرها من الأجسام في الهواء بلا إعانة في الأسفل ولا تعلق بشيء من الأعلى ، لقادر على إنشاء الخلق وإعادتهم بعد الفناء .
--> ( 1 ) « الأفئدة » جمع فؤاد ؛ نحو : أغربة وغراب ، قال الزجاج : ولم يجمع ( فؤاد ) على أكثر العدد ، وما قيل : ( فئدان ) ، كما قيل : ( غراب وغربان ) . ولعل الفؤاد إنما جمع على جمع القلة ، تنبيها على أن السمع والبصر كثيران ، وأن الفؤاد قليل ، لأن الفؤاد إنما خلق للمعارف الحقيقية ، والعلوم اليقينية ، وأكثر الخلق ليسوا كذلك ، بل يكونون مشغولين بالأفعال البهيمية والصفات السبعية ، فكأن فؤادهم ليس بفؤاد ؛ فلهذا جمع جمع القلة ، قاله ابن الخطيب . وقال الزمخشري - رحمه الله تعالى - : إنه من الجموع التي استعملت للقلة والكثرة ، ولم يسمع فيها غير القلة ، نحو : ( شسوع ) ، فإنها للكثرة ، وتستعمل في القلة ، ولم يسمع غير شسوع . كذا قال ، وفيه نظر ، فقد سمع فيهم ( أشساع ) فكان ينبغي أن يقال : غلب ( شسوع ) . ينظر : اللباب ( 12 / 129 ) .