أبي منصور الماتريدي
546
تأويلات أهل السنة ( تفسير الماتريدي )
أو يقول : أو لم يروا إلى اللطف الذي جعل في الطير ، والحكمة التي أنشأ فيها حتى قدرت على الاستمساك في الهواء ، والطيران في الجو : ما لو اجتمع الخلائق جميعا أن يدركوا ذلك اللطف أو تلك الحكمة - ما قدروا على إدراكه . وفي ذلك نقض قول المعتزلة ؛ لأن الطيران فعل الطير ، ثم أضاف ذلك إلى الله حيث قال : ما يُمْسِكُهُنَّ إِلَّا اللَّهُ : دلّ ذلك أن لله في ذلك صنعا وفعلا . وقوله - عزّ وجل - : إِنَّ فِي ذلِكَ لَآياتٍ لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ . جميع ما ذكر يكون آية لمن آمن ؛ لأنه هو المنتفع . قال أبو عوسجة : لمح البصر : سرعة النظر ، وجوّ السماء : هواؤها ، ويقال : بطن السماء ، ويقال : جوف السماء ، ويقال : الجوّ : ما اطمأن من الأرض . والأوّل أشبه . وقوله - عزّ وجل - : وَاللَّهُ جَعَلَ لَكُمْ مِنْ بُيُوتِكُمْ سَكَناً . ظاهر هذا أنه قد جعل لنا من البيوت - أيضا - ما ليس بسكن « 1 » ؛ لأنه قال : جَعَلَ لَكُمْ مِنْ بُيُوتِكُمْ سَكَناً ، وهو ما ذكر في قوله : لَيْسَ عَلَيْكُمْ جُناحٌ أَنْ تَدْخُلُوا بُيُوتاً غَيْرَ مَسْكُونَةٍ [ النور : 29 ] : وهو كالمساجد والرباطات وغيرها . ويشبه أن يكون ذكر هذا ؛ ليعرفوا عظيم مننه ونعمه ، حيث جعل الأرض بمحل يقرّون عليها ويمكن لهم المقام بها ؛ بالرواسى التي ذكر أنه أثبت فيها بعد ما كانت تميد بهم ولا تقر بها ، أخبر أنه [ جعل ] فيها رواسي أو أن يكون حرف ( من ) صلة ، أي : جعل لكم بيوتا تسكنون فيها . ثم قوله : جَعَلَ لَكُمْ مِنْ بُيُوتِكُمْ سَكَناً يحتمل وجهين : أحدهما : أي : سخر لكم الأرض حتى قدرتم على اتخاذ المساكن فيها تسكنون « 2 » . أو جعل لكم بيوتا ، أي : علمكم تسكنون فيها . ثم قوله : جَعَلَ لَكُمْ مِنْ بُيُوتِكُمْ سَكَناً : أي [ علمكم ] « 3 » ما تبنون فيها من البيوت
--> ( 1 ) والسكن : ما سكنت إليه ، وما سكنت فيه ، قال الزمخشري : ( السكن : ما يسكن إليه وينقطع إليه من بيت أو إلف ) . واعلم أن البيوت التي يسكن فيها الإنسان على قسمين : أحدهما : البيوت المتخذة من الحجر والمدر ، وهي المرادة من قوله : جَعَلَ لَكُمْ مِنْ بُيُوتِكُمْ سَكَناً وهذا القسم لا يمكن نقله بل الإنسان ينتقل إليه . والثاني : البيوت المتخذة من القباب والخيام والفساطيط ، وهي المرادة بقوله : وَجَعَلَ لَكُمْ مِنْ جُلُودِ الْأَنْعامِ بُيُوتاً تَسْتَخِفُّونَها وهذا القسم يمكن نقله مع الإنسان . ينظر : اللباب ( 12 / 131 ، 132 ) . ( 2 ) زاد في ب : فيها . ( 3 ) سقط في أ .