أبي منصور الماتريدي

544

تأويلات أهل السنة ( تفسير الماتريدي )

شرّا كان أو خيرا ، وكذلك وَلا يُظْلَمُونَ فَتِيلًا و نَقِيراً ، أي : لا يظلمون شيئا ، وكذا ما يَمْلِكُونَ مِنْ قِطْمِيرٍ [ فاطر : 13 ] ، أي : لا يملكون شيئا ؛ لأن القطمير لا يملك ؛ فإنما يذكر هذا وأمثاله على التمثيل الذي ذكرنا . أو أن يكون تأويل قوله : وَما أَمْرُ السَّاعَةِ إِلَّا كَلَمْحِ الْبَصَرِ ، أي : ليس ما بين الساعة وبينكم مما مضى من الوقت إلا قدر لمح البصر ، أي : لم يبق من وقت قيامها ممّا مضى إلا ما ذكر من لمح البصر أو أقرب مما ذكر على الاستقصار مما بقي . إِنَّ اللَّهَ عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ . وعلى « 1 » البعث والإعادة ، وعلى كل شيء ، لا يعجزه شيء . وظاهر الآية ينقض على المعتزلة قولهم ؛ لإنكارهم خلق أفعال العباد ؛ لأنه أخبر أنه على كل شيء قدير ، وعلى قولهم : هو غير قادر على العالم بشيء « 2 » . وقوله - عزّ وجل - : وَاللَّهُ أَخْرَجَكُمْ مِنْ بُطُونِ أُمَّهاتِكُمْ لا تَعْلَمُونَ شَيْئاً . يذكر بهذا قدرته وسلطانه على ما سبق : من ذكر سرعة القيامة ، والعلم بها ، والحكمة التي جعل في البعث ؛ فقال : وَاللَّهُ أَخْرَجَكُمْ مِنْ بُطُونِ أُمَّهاتِكُمْ لا تَعْلَمُونَ شَيْئاً : خلق الولد في ظلمات ثلاث ، وجعل غذاه بغذاء الأمهات وبقواهن ، ثم تقلبه في تلك الظلمات من حال إلى حال : ما لو اجتهد الخلائق أن يعلموا اغتذاءه بغذاء الأمهات ، وتقليبه من حال إلى حال ، ومن جوهر إلى جوهر - ما قدروا على ذلك ؛ فيدل هذا على أن من قدر على هذا ، وعلم هذا في تلك الظلمات لقادر على البعث وإعادة الخلق بعد الفناء ، وعلم ما غاب عن الخلق . ويذكرنا ابتداء أحوالنا أنه أخرجنا من بطون أمهاتنا ونحن لا نعلم شيئا ، ثم صيّرنا بحال صرنا عالمين أشياء ، يذكرنا نعمه ومننه علينا في بلوغنا إلى الأحوال التي صرنا إليها بعد ما كنا ما ذكر . والثاني : يذكرنا أنكم كنتم بالحال التي ذكر ؛ لنعلم أنه صيرنا في البطون بلا استعانة بأحد منا ولا عون منه إلى أحد ، والله أعلم . وقوله - عزّ وجل - : وَجَعَلَ لَكُمُ السَّمْعَ وَالْأَبْصارَ وَالْأَفْئِدَةَ .

--> ( 1 ) في ب : ومن . ( 2 ) في ب : ألف ألف شيء .