أبي منصور الماتريدي

54

تأويلات أهل السنة ( تفسير الماتريدي )

وفي قوله : أَلا إِنَّ لِلَّهِ ما فِي السَّماواتِ وَالْأَرْضِ دلالة إثبات البعث من وجهين : أحدهما : فيما يذكر من قدرته من خلق السماوات والأرض وما بينهما [ بغلظهما وكثافتهما وشدتهما وعظم خلقتهما ] « 1 » ، وأن تلك القدرة خارجة عن وسع البشر وتوهمهم ، فمن قدر على ذلك فهو قادر على إحياء الخلق بعد فنائهم . والثاني : يخبر عن حكمته من تعليق منافع الأرض بالسماء على بعد ما بينهما ، والإفضال على الخلق بأنواع النعم التي تكبر الإحصاء ، وأن كل شيء منها قد وضع مواضعها ، فلا يحتمل من هذا وصفه في الحكمة يخلق شيئا عبثا باطلا ولو كانوا للفناء لا حياة بعده كان يكون خارجا عن الحكمة ، فظهر أنه خلقهم لأمر أراد بهم ، والله أعلم . وقوله - عزّ وجل - : هُوَ يُحيِي وَيُمِيتُ وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ أي : تعلمون أنه هو أحيا الأحياء ، وهو الأموات أيضا وهو كقوله : وَكُنْتُمْ أَمْواتاً فَأَحْياكُمْ ثُمَّ يُمِيتُكُمْ ثُمَّ يُحْيِيكُمْ ثُمَّ إِلَيْهِ تُرْجَعُونَ [ البقرة : 28 ] ، فإذا عرفتم أنه هو يحيي الأحياء وهو يميت الأموات لا غير ، فاعلموا أنه هو يبعثكم وإليه ترجعون ؛ ألزمهم الحجة أولا بالكائن ، ثم أخبرهم عما يكون بالحجة التي ذكر . وقوله - عزّ وجل - : يا أَيُّهَا النَّاسُ قَدْ جاءَتْكُمْ مَوْعِظَةٌ مِنْ رَبِّكُمْ : وهو هذا القرآن « 2 » قال بعضهم : الموعظة : النهي كقوله : يَعِظُكُمُ اللَّهُ أَنْ تَعُودُوا لِمِثْلِهِ أَبَداً [ النور : 17 ] قيل : ينهاكم أن تعودوا لمثله أبدا . وقال آخرون : الموعظة هي التي تدعو إلى كل مرغوب وتزجر عن كل مرهوب وقال بعضهم [ العظة ] « 3 » هي [ التي ] « 4 » تلين كل قلب قاس وتجلى كل قلب مظلم وفي القرآن جميع ما ذكرنا فيه النهي ، وفيه الدعاء إلى كل مرغوب ، والزجر عن كل مرهوب ، وهو يلين القلوب القاسية ويجلي القلوب المظلمة إذا تأملوا فيه ، ونظروا ، وتفكروا تفكر المستشهد وطالب الحق . وقيل : الموعظة هي التي تلين القلوب القاسية وتدمع العيون اليابسة ، وتجلي الصدور

--> ( 1 ) بدل ما بين المعقوفين في ب : بغلظها وكثافتها وشدتها وعظم خلقها . ( 2 ) أما كون القرآن موعظة ؛ فلاشتماله على المواعظ والقصص ، وكونه شفاء ، أي : دواء لجهل ما في الصدور ، أي : شفاء لعمى القلوب ، والصدور موضع القلب ، وهو أعز موضع في الإنسان ؛ لجوار القلب ، قال - تعالى - : فَإِنَّها لا تَعْمَى الْأَبْصارُ وَلكِنْ تَعْمَى الْقُلُوبُ الَّتِي فِي الصُّدُورِ [ الحج : 46 ] وكونه هدى ، أي : من الضلالة ، ورحمة للمؤمنين ، والرحمة : هي النعمة على المحتاج ؛ فإنه لو أهدى ملك إلى ملك شيئا ، فإنه لا يقال : رحمة ، وإن كان ذلك نعمة ؛ فإنه لم يصنعها إلى المحتاج . ينظر : اللباب : ( 10 / 356 ) . ( 3 ) سقط في ب . ( 4 ) سقط في ب .