أبي منصور الماتريدي
530
تأويلات أهل السنة ( تفسير الماتريدي )
في الماء بالطبع من غير أن يعلم أنها تسبح « 1 » ، وكذلك الطير الذي يطير في الهواء من غير أن يعلم بالطيران ، فعلى ذلك يحتمل فهم هذه البهائم وعرفانها ما ذكرنا من المصالح والمهالك من غير أن يعلم أنها تعرف ذلك ، والله أعلم . والثاني : يحتمل أن يكون الله - عزّ وجل - جعل خلقة هذه الأشياء بالذي يقفون على المخاطبات والأمر والنهي ، ويعرفون ذلك ما لا يعرف مثله البشر ألا ترى أن البشر لا يعرفون « 2 » المهالك والمصالح إلا بالتعلم ، والبهائم وإن صغر ذلك تعرف حتى تتوقى المهالك وترغب في المصالح ، ومما يدل أن هذه الأشياء مما يفهم الأمر والنهي والمخاطبات قوله : شَهِدَ عَلَيْهِمْ سَمْعُهُمْ وَأَبْصارُهُمْ وَجُلُودُهُمْ بِما كانُوا يَعْمَلُونَ * وَقالُوا لِجُلُودِهِمْ لِمَ شَهِدْتُمْ عَلَيْنا قالُوا أَنْطَقَنَا اللَّهُ الَّذِي أَنْطَقَ كُلَّ شَيْءٍ [ فصلت : 20 ، 21 ] ألا ترى أنهم فهموا الخطاب حيث ردوا عليهم الجواب بقوله : أَنْطَقَنَا فذلك ما ذكرنا ، والله أعلم . فذلك الوحي والقذف لكل البهائم لا للنحل خاصّة لما ذكرنا من معرفتها المهالك والمصالح ، وما به معاشها وغذاؤها مما به فسادها وهلاكها حتى عرفت « 3 » ذلك من غير أن تعلم ، والبشر لا يعرفون إلا بالتعلم ، فهو - والله أعلم - لوجهين : أحدهما : للمحنة أن البشر امتحنوا بالتعليم ، فذلك من الله امتحان لهم ، والبهائم لا محنة عليهم ، [ فعرفوا ذلك ] « 4 » على غير تعلم ، أو كان ذلك للبشر بالتعلم ؛ لفضل بعض على بعض في العلم بالتعليم ؛ إذ البهائم يستوى صغيرها وكبيرها في معرفة ذلك ، وفي بني آدم [ تتفاضل وتتفاوت ] « 5 » بالتعلم ، والله أعلم . فإن قيل : فإذا كانت « 6 » البهائم كلها مشتركة في ذلك الإلهام والوحي فما معنى تخصيص النحل بالذكر من غيرها من البهائم ؟ قيل : يحتمل تخصيص النحل بالذكر - والله أعلم - لما أن هذه الأشياء غير النحل لا تعطي تلك المنافع التي جعلت فيها ، ولا تبذل للبشر إلا بالرياضة [ والتعلم ] « 7 » ، والنحل تعطي ذلك لهم وتبذل من غير تعلم ولا رياضة ، والله أعلم . ثم قوله : أَنِ اتَّخِذِي مِنَ الْجِبالِ بُيُوتاً وقوله : ثُمَّ كُلِي مِنْ كُلِّ الثَّمَراتِ وقوله : فَاسْلُكِي
--> ( 1 ) في أ : سباحة . ( 2 ) في ب : يعرف . ( 3 ) في أ : يعرفن . ( 4 ) في ب : فذلك عرفوا . ( 5 ) في أ : يتفاضل ويتفاوت . ( 6 ) في أ : كان . ( 7 ) سقط في أ .