أبي منصور الماتريدي

531

تأويلات أهل السنة ( تفسير الماتريدي )

سُبُلَ رَبِّكِ ذُلُلًا ونحوه ، ظاهره أمر ، لكن حقيقته تمكين وتسهيل ، نحو قوله : سيروا في كذا ، هو في الظاهر أمر ، وفي الحقيقة تمكين وتيسير . ثم في هذه الآية ، وفي قوله : يَخْرُجُ مِنْ بُطُونِها شَرابٌ وفيما سبق من الآيات ، وهو قوله : وَإِنَّ لَكُمْ فِي الْأَنْعامِ لَعِبْرَةً نُسْقِيكُمْ مِمَّا فِي بُطُونِهِ وفي قوله : وَمِنْ ثَمَراتِ النَّخِيلِ وَالْأَعْنابِ تَتَّخِذُونَ مِنْهُ سَكَراً وَرِزْقاً حَسَناً دلالة قدرته على إنشاء الأشياء من لا شيء ، ودلالة علمه وتدبيره ؛ لأنه أخرج من هذه الجواهر المختلفة أشياء من غير جوهرها [ وجنسها ] « 1 » ما لم يكن شيء مما أكل منها هذه البهائم من الجواهر التي أخرج منها ، من نحو العسل الذي أخرج من الفواكه التي أكلت ، واللبن من العلف الذي أكل ، والعصير والسكر والأعناب من الكروم ؛ إذ ليس شيء خرج منها من جنس ما أكل ، ولا من جوهر ما سقى ، دل أنه كان فعل عليم قادر على إنشاء الأشياء من لا شيء ولا سبب ، وفيه دلالة علمه وتدبيره وحكمته ؛ لأن إنشاء ذلك اللبن في البطن على غير جوهر ما تناولت ، ومن خلاف لونه في تلك الظلمات دل أن علمه وتدبيره غير مقدر بعلم الخلق ، وأن حكمته غير مقدرة بحكمة الخلق ، وكذلك قدرته غير مقدرة بقدرة الخلق ، ثم قوله : فَاسْلُكِي سُبُلَ رَبِّكِ قيل : طرق ربك ذللا ، وقيل مطيعة ، وقيل من الذل ، أي : الرفق واللين ، كقوله : أَذِلَّةٍ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ [ آل عمران : 54 ] وقوله : وَاخْفِضْ جَناحَكَ . . . [ الحجر : 88 ] الآية من الذل ، ومن الرفق واللين ، وهذا يخرج على وجهين . أحدهما : ذللت سبل ربها ، وسهل السلوك فيها حتى تسلك كيف شاءت . وقوله - عزّ وجل - : وَمِمَّا يَعْرِشُونَ قيل : مما يبنون ، ويحتمل « 2 » مما يتخذ من العريش ، وهو الذي يتخذ من الخشب . وقوله - عزّ وجل - : مُخْتَلِفٌ أَلْوانُهُ . قال الحسن : الشهد والعسل . وقال بعضهم « 3 » : مختلف في الطعم ، وقيل : في الألوان : الأبيض ، والأحمر ، والأصفر . وقوله - عزّ وجل - : فِيهِ شِفاءٌ لِلنَّاسِ [ قال بعضهم « 4 » : فيه شفاء للناس ] « 5 » من كل

--> ( 1 ) سقط في أ . ( 2 ) في أ : ويتخذ . ( 3 ) قاله البغوي ( 3 / 76 ) . ( 4 ) قاله ابن مسعود وابن عباس وقتادة ، أخرجه ابن جرير عنهم ( 21751 ) ، ( 21754 ) ، ( 21755 ) ، وانظر : الدر المنثور ( 4 / 230 ) . ( 5 ) سقط في أ .