أبي منصور الماتريدي
529
تأويلات أهل السنة ( تفسير الماتريدي )
[ يونس : 59 ] ، أو يخرج على تذكير النعم في الوقت الذي كان السكر حلالا ، أي : تتخذون منه سكرا ما تشربون ، ورزقا حسنا سوى الشراب . قوله تعالى : [ سورة النحل ( 16 ) : الآيات 68 إلى 69 ] وَأَوْحى رَبُّكَ إِلَى النَّحْلِ أَنِ اتَّخِذِي مِنَ الْجِبالِ بُيُوتاً وَمِنَ الشَّجَرِ وَمِمَّا يَعْرِشُونَ ( 68 ) ثُمَّ كُلِي مِنْ كُلِّ الثَّمَراتِ فَاسْلُكِي سُبُلَ رَبِّكِ ذُلُلاً يَخْرُجُ مِنْ بُطُونِها شَرابٌ مُخْتَلِفٌ أَلْوانُهُ فِيهِ شِفاءٌ لِلنَّاسِ إِنَّ فِي ذلِكَ لَآيَةً لِقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ ( 69 ) وقوله - عزّ وجل - : وَأَوْحى رَبُّكَ إِلَى النَّحْلِ أَنِ اتَّخِذِي مِنَ الْجِبالِ بُيُوتاً . . . إلى آخر ما ذكر . قال بعضهم « 1 » : وَأَوْحى أي : قذف في قلوبها أن افعلي ما ذكر ، والوحي هو القذف ؛ سمي بذلك لسرعة وقوعه ، ونفاذه في القلوب من غير أن يشعر الملقى فيه والمقذوف في قلبه أن أحدا فعل ذلك أو ألقاه فيه ، وهو ما مكن الله للشيطان من الوسوسة في القلوب من غير أن يعلم الموسوس إليه والمقذوف في قلبه أن أحدا دعاه إلى ذلك أو زين له ذلك ، وكذلك ما يلهم الملائكة بني آدم من أشياء من غير أن يعلموا أن أحدا دعا إلى ذلك أو زين ذلك له ، أو ألقاه في قلوبهم فهذا كله يرد على من ينكر الشيطان والملائكة ، وهم طائفة من الملحدة يقولون : إن الشهوات والأماني التي جعلت في أنفسهم هي التي تبعثهم وتهيجهم على ذلك لا الشيطان . فيقال لهم : إن الإنسان قد يناله أشياء من غير أن كان منه تفكر في ذلك ، أو أماني أو سابق تدبير ، فذلك يدل أن غيرا ألقى ذلك في قلبه وقذف ، لا عمل الأماني والشهوات ، وهذا أيضا يدل على لطف الله في البشر أنه يوفقهم على الطاعات ويحثهم عليها من غير أن علموا أن لغير في ذلك صنعا ، وكذلك الخذلان في المعاصي وأنواع الأجرام « 2 » التي يكتسبونها . ثم يحتمل قوله : وَأَوْحى رَبُّكَ إِلَى النَّحْلِ أي : النحل وغيرها من البهائم - وجهين : أحدهما : يحتمل أنه أنشأ هذه البهائم على طبائع تعرف بالطبع مصالحها ، ومهالكها ، ومعاشها ، وما به قوام أبدانها وأنفسها ، وما به فسادها وصلاحها من غير أن يعلم أن أحدا يدعوهم إلى ذلك ، أو يشير إليها ، أو يأمر وينهى ، ولكنه بالطبع يعرف ذلك ويعلم من نحو أشياء يعلمهن « 3 » أشياء بالطباع من غير أن يعلم أن أحدا علمهن ذلك من نحو الوزّ يسبح
--> ( 1 ) قاله معمر عن أصحابه أخرجه ابن جرير عنه ( 21741 ) و ( 21742 ) . ( 2 ) في أ : الإحرام . ( 3 ) في ب : يعلمن .