أبي منصور الماتريدي

524

تأويلات أهل السنة ( تفسير الماتريدي )

وقوله - عزّ وجل - : تَاللَّهِ لَقَدْ أَرْسَلْنا إِلى أُمَمٍ مِنْ قَبْلِكَ . هذا لا يحتمل أن يكون هذا القسم منه ابتداء ؛ [ و ] « 1 » لكن كأنه عن إنكار كان منهم للرسالة ، فعند ذلك أقسم بقوله : تَاللَّهِ لَقَدْ أَرْسَلْنا إِلى أُمَمٍ مِنْ قَبْلِكَ وأكد بما أنكروا الرسالة بالقسم الذي ذكر ، فقال : تَاللَّهِ لَقَدْ أَرْسَلْنا إِلى أُمَمٍ مِنْ قَبْلِكَ يا محمد . قوله : تَاللَّهِ لَقَدْ أَرْسَلْنا إِلى أُمَمٍ مِنْ قَبْلِكَ كما أرسلناك « 2 » إلى أمتك فَزَيَّنَ لَهُمُ الشَّيْطانُ أَعْمالَهُمْ كما زين لأمتك فهو كان وليهم يومئذ كما هو ولى لأمتك اليوم ، يصبّره . وقوله - عزّ وجل - : فَزَيَّنَ لَهُمُ الشَّيْطانُ أَعْمالَهُمْ يقول ليس هؤلاء بأول من زيّن لهم الشيطان أعمالهم ، ولكن كان في الأمم الماضية من زين لهم الشيطان أعمالهم فيكذبون رسلهم ، فلست أنت بأول مكذّب ، بل كان لك شركاء في التكذيب فَهُوَ وَلِيُّهُمُ الْيَوْمَ [ قال بعضهم : هو وليهم اليوم ] « 3 » في الدنيا ؛ لأن الدنيا هي دار الولاية بينهم ، كقوله : بَعْضُهُمْ أَوْلِياءُ بَعْضٍ [ الجاثية : 19 ] وقوله : أَوْلِياؤُهُمُ الطَّاغُوتُ [ البقرة : 257 ] ، وأمّا في الآخرة فيصيرون أعداء ، كقوله : الْأَخِلَّاءُ يَوْمَئِذٍ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ عَدُوٌّ إِلَّا الْمُتَّقِينَ [ الزخرف : 67 ] وقوله : ثُمَّ يَوْمَ الْقِيامَةِ يَكْفُرُ بَعْضُكُمْ بِبَعْضٍ . . . الآية [ العنكبوت : 25 ] ، [ وقوله : قالَ قَرِينُهُ رَبَّنا ما أَطْغَيْتُهُ [ ق : 27 ] ونحوه ، ولا يحتمل أن يكونوا أولياء في الآخرة ثم يلعن بعضهم بعضا ] « 4 » ويتبرأ بعضهم من بعض ، فذلك علامة العداوة . وقال بعضهم : قوله : فَهُوَ وَلِيُّهُمُ الْيَوْمَ في الآخرة ، أي : أولى بهم فيقرن بهم ، كقوله : وَمَنْ يَعْشُ عَنْ ذِكْرِ الرَّحْمنِ نُقَيِّضْ لَهُ شَيْطاناً فَهُوَ لَهُ قَرِينٌ [ الزخرف : 36 ] فهو وليهم : أي : صاحبهم ، كقوله : احْشُرُوا . . . الآية ، وكقوله : قالَ قَرِينُهُ رَبَّنا ما أَطْغَيْتُهُ [ ق : 27 ] وقوله - عزّ وجل - : وَما أَنْزَلْنا عَلَيْكَ الْكِتابَ إِلَّا لِتُبَيِّنَ لَهُمُ الَّذِي اخْتَلَفُوا فِيهِ . قال بعضهم : قوله : الَّذِي اخْتَلَفُوا فِيهِ : الكتب التي كانت من قبلهم ؛ لأنهم اختلفوا في كتبهم ، فمنهم من بدّل ، ومنهم من غير وحرّف ، فيقول - والله أعلم - : وَما أَنْزَلْنا عَلَيْكَ الْكِتابَ إِلَّا لِتُبَيِّنَ لَهُمُ الَّذِي اخْتَلَفُوا فِيهِ أي : في كتبهم ؛ لأن هذا الكتاب أنزله مصدقا لما بين يديه من الكتاب ، يبين هذا الكتاب ما اختلفوا في كتابهم ، الحق من الباطل .

--> ( 1 ) سقط في ب . ( 2 ) في ب : أرسلنا . ( 3 ) سقط في أ . ( 4 ) ما بين المعقوفين سقط في ب .