أبي منصور الماتريدي

508

تأويلات أهل السنة ( تفسير الماتريدي )

والمهاجرة : المقاطعة ؛ كأنه قال : والذين قاطعوا أرحامهم ، وأقاربهم ، وأموالهم ، ومكاسبهم ، وديارهم ، فأبدل الله لهم مكان الأرحام والأقارب أخلاء وإخوانا ، ومكان أموالهم أموالا أخرى ، وكذلك الدور وكل شيء تركوا هنالك ؛ فأبدلهم مكان ذلك كله . وأما قوله : وَلَأَجْرُ الْآخِرَةِ أَكْبَرُ لَوْ كانُوا يَعْلَمُونَ . يشبه أن يكون ذكر هذا عن حسد كان من الكفرة للمهاجرين ؛ لما أنزلهم في المدينة ، وبوأهم فيها ، وأعزهم ، ورفع ذكرهم ، وأمرهم ، ونصرهم حسدهم أهل الكفر بذلك ، فعند ذلك قال : ولأجر الآخرة لهم أكبر وأعظم في الآخرة ، لو كانوا يعلمون ما وعد لهم في الآخرة . ويحتمل أيضا قوله : وَلَأَجْرُ الْآخِرَةِ أَكْبَرُ لَوْ كانُوا يَعْلَمُونَ هؤلاء المهاجرون فيخفّ عليهم احتمال ما أوذوا وظلموا ، ويهون ، والله أعلم . وقوله - عزّ وجل - : الَّذِينَ صَبَرُوا وَعَلى رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ . قال الحسن « 1 » : أي : على ربهم يثقون « 2 » في إنجاز ما وعد لهم في الآخرة أنه ينجز ذلك . ويحتمل قوله : صَبَرُوا على أمره ، أو صبروا على الهجرة ، وانقطاع ما ذهب عنهم ، وفراق ما كان لهم . وقوله - عزّ وجل - : وَما أَرْسَلْنا مِنْ قَبْلِكَ إِلَّا رِجالًا نُوحِي إِلَيْهِمْ . هذا - والله أعلم - يكون على إثر أمر كان من الكفرة ، نحو ما قال أهل التأويل : أنهم قالوا : أَ بَعَثَ اللَّهُ بَشَراً رَسُولًا [ الإسراء : 94 ] ، وقالوا : لَوْ لا أُنْزِلَ عَلَيْنَا الْمَلائِكَةُ [ الفرقان : 21 ] ، ونحوه ؛ من كلامهم ، فقال : وَما أَرْسَلْنا مِنْ قَبْلِكَ إِلَّا رِجالًا نُوحِي إِلَيْهِمْ أي : [ إلا بشرا ، أي : لم نرسل من غير البشر ، فيكون قوله : إِلَّا رِجالًا كناية عن البشر ، أو أن يكون قوله : إِلَّا رِجالًا نُوحِي إِلَيْهِمْ أي : ] « 3 » لم يبعث من النساء رسولا إنما بعث الرسل من الرجال إلى الرجال والنساء ، والله أعلم . وقوله - عزّ وجل - : فَسْئَلُوا أَهْلَ الذِّكْرِ إِنْ كُنْتُمْ لا تَعْلَمُونَ . قال بعضهم : ليس على الأمر بالسؤال ، ولكن لو سألتم أهل الذكر لأخبروكم أنه لم يبعث الرسول من قبل إلا من البشر . وقال بعضهم : هو على الأمر بالسؤال ؛ أي : اسألوا أهل الذكر فتقلدوهم ؛ أي : إن كان

--> ( 1 ) قاله ابن جرير بنحوه ( 7 / 586 ) ، دون أن ينسبه لأحد . ( 2 ) في أ : يتقون . ( 3 ) سقط في أ .