أبي منصور الماتريدي
507
تأويلات أهل السنة ( تفسير الماتريدي )
عليه ، والتكوين ثبت أن التكوين غير المكون ، ثم لا يخلو من أن يكون التكوين بتكوين آخر إلى ما لا نهاية له ، أو لا بتكوين ، وقد بينا فسادهما جميعا ، وهما وجها الحديث ، ثبت أن الله تعالى به موصوف في الأزل ، وبالله التوفيق . والثاني : من فعله كسب سمي كاسبا ، ومن فعله باسم سمي به ، فلو كان فعل الله كلية الخلق يسمى به ، فيسمى ميتا ، متحركا ساكنا ، خبيثا طيبا ، صغيرا كبيرا ، ونحو ذلك ، فإذا كان يتعالى عن ذلك « 1 » وقد سمي فاعلا ، مميتا محييا ، محركا مسكنا ، جامعا مفرقا ؛ ثبت أن فعله غير مفعوله ، وأنه بذاته يفعل الأشياء ؛ لا بغيره ، وفي ذلك لزوم الوصف له به في الأزل ، والله أعلم . قوله تعالى : [ سورة النحل ( 16 ) : الآيات 41 إلى 44 ] وَالَّذِينَ هاجَرُوا فِي اللَّهِ مِنْ بَعْدِ ما ظُلِمُوا لَنُبَوِّئَنَّهُمْ فِي الدُّنْيا حَسَنَةً وَلَأَجْرُ الْآخِرَةِ أَكْبَرُ لَوْ كانُوا يَعْلَمُونَ ( 41 ) الَّذِينَ صَبَرُوا وَعَلى رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ ( 42 ) وَما أَرْسَلْنا مِنْ قَبْلِكَ إِلاَّ رِجالاً نُوحِي إِلَيْهِمْ فَسْئَلُوا أَهْلَ الذِّكْرِ إِنْ كُنْتُمْ لا تَعْلَمُونَ ( 43 ) بِالْبَيِّناتِ وَالزُّبُرِ وَأَنْزَلْنا إِلَيْكَ الذِّكْرَ لِتُبَيِّنَ لِلنَّاسِ ما نُزِّلَ إِلَيْهِمْ وَلَعَلَّهُمْ يَتَفَكَّرُونَ ( 44 ) وقوله - عزّ وجل - : وَالَّذِينَ هاجَرُوا فِي اللَّهِ مِنْ بَعْدِ ما ظُلِمُوا . كان ظلمهم إياهم على وجوه : منهم من ظلم بالإخراج من الدّيار والطرد من البلد ؛ كقوله : إِنَّما يَنْهاكُمُ اللَّهُ عَنِ الَّذِينَ قاتَلُوكُمْ فِي الدِّينِ وَأَخْرَجُوكُمْ مِنْ دِيارِكُمْ . . . الآية [ الممتحنة : 9 ] ومنهم من ظلم بالمنع عن « 2 » الهجرة ، ومنهم ظلم بالمنع عن إظهار الإسلام ؛ والعمل له ، وأنواع ما أوذوا وظلموا بإظهارهم الإسلام ، وإجابتهم رسول الله ، واتباعهم إياه . ثم وعد لهم في الدنيا حسنة ؛ فقال : لَنُبَوِّئَنَّهُمْ : قيل : لنعطينهم ، وقيل « 3 » : لنرزقنهم ، وهو واحد . فِي الدُّنْيا حَسَنَةً . تحتمل الحسنة في الدنيا العزّ بعد الذل ، والسعة بعد الضيق ، والشدة والنصر والغلبة لهم بعد ما كانوا مقهورين مغلوبين في أيدي الأعداء ، والذكر والشرف بعد الهوان ، هذه الحسنة التي بوّأهم في الدنيا .
--> ( 1 ) في أ : هذا . ( 2 ) في أ : من . ( 3 ) قاله مجاهد ، أخرجه ابن أبي شيبة وابن جرير ( 21593 ) ، ( 21594 ) ، وابن المنذر وابن أبي حاتم عنه ، كما في الدر المنثور ( 4 / 221 ) .