أبي منصور الماتريدي

504

تأويلات أهل السنة ( تفسير الماتريدي )

فإن قيل : لنا : ما الحكمة والفائدة في ذكر قسمهم الذي أقسموا في القرآن ؛ وجعل ذلك آية تتلى ؟ وذلك القسم الذي أقسموا كان بحضرة النبي صلى اللّه عليه وسلّم وأصحابه ، وهم علموا ذلك ليس كالأنباء والقصص التي كانت من قبل ، إذ كان ذلك شيئا غاب عنه لم يشهدها ؛ فأخبرهم « 1 » على ما كان ، ففي ذلك إثبات رسالته ونبوّته ؟ فالحكمة والفائدة من « 2 » ذكرها في القرآن ؛ وجعلها آيات تتلى ؛ ليعلم أنه إنما عرف ذلك بالله تعالى . وأمّا القسم الذي أقسموا ليس فيه ما ذكرنا من إثبات الرسالة ؛ وهم قد علموا ذلك ؛ فما الفائدة في ذكره ؟ قيل : يشبه أن يكون ذكره لنا - عزّ وجل - لنعلم نحن عظيم سفه أولئك ؛ وقلة عقولهم « 3 » ، وحلم الرسول واحتمال ما احتمل منهم من الأذى والمكروه ؛ لنعلم نحن أن كيف يعامل السفهاء ؛ وأهل الفساد ؛ والعصاة من الناس ؛ على ما عامل رسل الله أقوامهم ؛ مع عظيم سفههم وقلة عقلهم ، فذلك فائدة ذكر قسمهم في القرآن قد تكلف أولئك الكفرة الكبراء منهم في تلبيس [ الآيات والحجج ] « 4 » التي أتت بها الرسل : مرة بالقسم الذي ذكر ؛ حيث أقسموا بالله جهد أيمانهم أنه لا يبعثون ، ومرة بالنسبة إلى السحر ، ومرة بالافتراء ، ومرة بالنسبة إلى الجنون ، وفي الإنباء بأنه إنما يعلمه بشر منا ، يريدون بذلك التلبيس على الأتباع . ثم البعث واجب بالعقل ، والحكمة ، وأخبار الرسل ؛ إذ ليس خبر أصدق من أخبار الرسل وآثارهم ، وهم ممن يقبلون الأخبار ، فأخبار الرسل أولى بالقبول والتصديق من غيرهم ؛ لأن معهم آيات صدقهم ودلالات تحقيقهم . وأما العقل فهو أن كون « 5 » هذا العالم وإنشاءه للفناء خاصة خارج عن الحكمة ، إذ كل عمل لا يكون له عاقبة [ حميدة ] « 6 » عبث ، وهو كما قال : أَ فَحَسِبْتُمْ أَنَّما خَلَقْناكُمْ عَبَثاً . . . الآية [ المؤمنون : 115 ] أخبر أنه إذا لم يكن رجوع إليه يكون خلقه إياهم عبثا .

--> ( 1 ) في ب : فأشهدهم . ( 2 ) في أ : في . ( 3 ) في ب : عقلهم . ( 4 ) في ب : الحجج والآيات . ( 5 ) في أ : يكون . ( 6 ) سقط في أ .