أبي منصور الماتريدي

467

تأويلات أهل السنة ( تفسير الماتريدي )

قال بعضهم : فَاصْدَعْ بِما تُؤْمَرُ : أي : استقم كما تؤمر ؛ كقوله : فَاسْتَقِمْ كَما أُمِرْتَ [ هود : 112 ] . فهو في كل ما أمر به . وقال بعضهم : اصدع : أي : امض بما تؤمر من تبليغ الرسالة . وَأَعْرِضْ عَنِ الْمُشْرِكِينَ . أي : أعرض عن مكافأتهم ؛ ومعناه - والله أعلم - امض على ما تؤمر ؛ من تبليغ الرسالة إليهم ولا تخفهم ، ولا تهبهم ، ولا يمنعنك شيء عن تبليغ الرسالة ؛ الخوف ، ولا القرابة ، ولا شيء من ذلك ، ولكن امض على ما تؤمر ؛ وهو كما قال : وَلا يَجْرِمَنَّكُمْ شَنَآنُ قَوْمٍ عَلى أَلَّا تَعْدِلُوا اعْدِلُوا [ المائدة : 8 ] وقال : كُونُوا قَوَّامِينَ بِالْقِسْطِ شُهَداءَ لِلَّهِ وَلَوْ عَلى أَنْفُسِكُمْ [ النساء : 135 ] أي : لا يمنعكم عن القول بالحق والعدل بغضكم إياهم ، ولا قرابتكم التي فيما بينكم ، فعلى ذلك قوله : فَاصْدَعْ بِما تُؤْمَرُ : أي : امض على ما أمرت من تبليغ الرسالة ، ولا يمنعنك « 1 » عن ذلك : الخوف ، والوعيد ، والقرابة التي فيما بينك وبينهم . وقال القتبي « 2 » : فَاصْدَعْ بِما تُؤْمَرُ : أي : أظهر ذلك ، وأصله : الفرق والفتح ؛ يريد : اصدع الباطل بحقك ؛ حتى يأتيك الموقن به ؛ وهو الموت . وقال أبو عوسجة : اصدع : أي : امض على ما تؤمر « 3 » ، وصدعت : أي : مضيت ؛ وذلك من المضي ، وأصل هذا كله : الشق ، ويقال : تصدعوا : أي : تفرقوا . والله أعلم . وقوله - عزّ وجل - : وَأَعْرِضْ عَنِ الْمُشْرِكِينَ أي : أعرض عن مكافأتهم ؛ فأنا أكافئهم عنك على ما آذوك . وقال بعض أهل التأويل « 4 » : قوله : وَأَعْرِضْ عَنِ الْمُشْرِكِينَ هو منسوخ بآية السيف ؛ لكن على الوجه الذي ذكرنا ليس بمنسوخ ، ويحتمل : وَأَعْرِضْ عَنِ الْمُشْرِكِينَ ؛ إن كان أراد به القتال والدعاء إلى التوحيد فهو في وقت دون وقت أو في قوم خاص علم « 5 » الله أنهم لا يجيبونه ولا يؤمنون به أيئس رسوله عن إيمانهم فقال : أعرض عن هؤلاء ولا

--> ( 1 ) في أ : يمنعك . ( 2 ) تفسير غريب القرآن ( 240 ) . ( 3 ) قاله ابن عباس ، أخرجه ابن جرير ( 21405 ) وابن المنذر وابن أبي حاتم ، كما في الدر المنثور ( 4 / 199 ) . ( 4 ) قاله ابن عباس ، أخرجه ابن جرير عنه ( 21415 ) . ( 5 ) في أ : على .