أبي منصور الماتريدي
458
تأويلات أهل السنة ( تفسير الماتريدي )
الكفر بالله ، وإن كان يسمى بدون الله كفرا وإيمانا ؛ كما قلنا : الكتاب المطلق كتاب الله ، والدين المطلق دين الله ؛ وإن كان اسم الكتاب والدين يقع على ما دونه . وقوله - عزّ وجل - : فَانْتَقَمْنا مِنْهُمْ . ذكر الانتقام منهم ؛ ولم يذكر هاهنا بم كان الانتقام ، وقال في آية أخرى : فَأَخَذَتْهُمُ الرَّجْفَةُ [ الأعراف : 78 ] وقال في آية أخرى : فَأَخَذَتْهُمُ الصَّيْحَةُ [ الحجر : 73 ] وقال في آية أخرى : فَأَخَذَهُمْ عَذابُ يَوْمِ الظُّلَّةِ [ الشعراء : 189 ] فيحتمل أن يكون الرجفة لقوم ؛ والصيحة لقوم ؛ وعذاب يوم الظلة لقوم منهم ، أو كان كله واحدا ؛ فسماها بأسماء مختلفة ، وليس لنا إلى معرفة ذلك العذاب « 1 » حاجة - سوى ما عرف أنهم إنما أهلكوا أو عذبوا بالتكذيب ؛ ليكون ذلك آية لمن بعدهم ؛ ليحذروا مثل صنيعهم . والله أعلم . وقوله - عزّ وجل - : فَانْتَقَمْنا مِنْهُمْ للرسل ؛ كما انتقمنا من قوم لوط للوط ؛ بسوء صنيعهم ، وسوء معاملتهم إياه ، فعلى ذلك ننتقم من أهل مكة لمحمد صلى اللّه عليه وسلّم ؛ بسوء صنيعهم ومعاملتهم إياه ، وقد كان ما نزل بأصحاب الأيكة كفاية مزجر لهم ، وعظة لا يحتاج إلى ذكر ما نزل بقوم لوط . وقوله - عزّ وجل - : وَإِنَّهُما قال بعضهم « 2 » : يعني قوم لوط ، وقوم شعيب . وقوله : لَبِإِمامٍ مُبِينٍ : أي : طريق مستبين ؛ أي : بين هلاكهم . وقوله - عزّ وجل - : وَإِنَّها لَبِسَبِيلٍ مُقِيمٍ ، وَإِنَّهُما لَبِإِمامٍ مُبِينٍ - واحد ؛ أي : بيّن واضح آثارهم من سلك ذلك الطريق ؛ أو دخل قراهم ومكانهم « 3 » - لاستبان له « 4 » آثار هلاكهم ؛ وما حل بهم . وقوله : لَبِإِمامٍ مُبِينٍ : أي : طريق يؤمّ ، ويقصد ؛ بيّن واضح . وقوله - عزّ وجل - : وَلَقَدْ كَذَّبَ أَصْحابُ الْحِجْرِ الْمُرْسَلِينَ . قال أهل التأويل « 5 » : أصحاب الحجر : هم قوم صالح ثمود ، وقالوا : الحجر : هو اسم واد . وقيل : هو اسم القرية على شط الوادي ؛ نسبوا إليه . وقوله : وَلَقَدْ كَذَّبَ أَصْحابُ الْحِجْرِ الْمُرْسَلِينَ قال أهل التأويل « 6 » : يعني بالمرسلين [ ولم
--> ( 1 ) في ب : الكتاب . ( 2 ) قاله البغوي ( 3 / 55 ) . ( 3 ) في أ : ومكان . ( 4 ) في أ : لهم . ( 5 ) قاله قتادة ، أخرجه ابن أبي حاتم عنه ، كما في الدر المنثور ( 4 / 194 ) . ( 6 ) قاله البغوي ( 3 / 55 ) .