أبي منصور الماتريدي

448

تأويلات أهل السنة ( تفسير الماتريدي )

عليه ، واللصوص وأهل الريبة إذا دخلوا بيت آخر لا يسلمون عليه ، لكنه إنما خافهم إذ رأى أيديهم لا تصل إليه ؛ كما قال : فَلَمَّا رَأى أَيْدِيَهُمْ لا تَصِلُ إِلَيْهِ نَكِرَهُمْ وَأَوْجَسَ مِنْهُمْ خِيفَةً [ هود : 70 ] عند ذلك خافهم ؛ فلما رأى ذلك ظن إبراهيم أنهم ملائكة ؛ إنما جاءوا لأمر عظيم ؛ حيث لم يتناولوا مما قرب إليهم ؛ وبين إبراهيم « 1 » وبين المكان الذي يرتحل منه - مكان يقع لهم الحاجة إلى الطعام . وقوله - عزّ وجل - : لا تَوْجَلْ أي : لا تخف : إِنَّا نُبَشِّرُكَ بِغُلامٍ عَلِيمٍ . وقال في آية أخرى : فَبَشَّرْناهُ بِغُلامٍ حَلِيمٍ [ الصافات : 101 ] والحلم : هو الذي ينفي عن صاحبه كل أخلاق دنية ، والعلم : هو الذي يدعو صاحبه إلى كل خلق رفيع ؛ ليعلم أنه اجتمع فيه [ جميع ] « 2 » الخصال الرفيعة ، ونفى عنه كل خلق دنيء . وقوله - عزّ وجل - : أَ بَشَّرْتُمُونِي عَلى أَنْ مَسَّنِيَ الْكِبَرُ . أي : أبشرتموني أن يولد لي ، وأنا على الحال التي أنا عليها ، أو يردّ إليّ شبابي وشباب امرأتي . فَبِمَ تُبَشِّرُونَ على الحال التي أنا عليها وامرأتي ، أو يرد الشباب إلينا ، وإلا لا يحتمل أن يخفى عليه قدرة الله هبة الولد في حال الكبر ، لكنه لم ير الولد يولد في تلك الحال ، فاستخبرهم أنه يولد في تلك الحال ، أو يرد إلى حالة أخرى حالة الشباب . والله سبحانه أعلم . وقوله - عزّ وجل - : قالُوا بَشَّرْناكَ بِالْحَقِّ . أي : بما هو كائن لا محالة ، أي : وعد كائن لا محالة ، والواجب على كل من أنعم عليه بنعمة أن يشتغل بالشكر للمنعم ، لا يستكشف عن الوجوه التي أنعم ، والأحوال التي يكون عليها . ثم في بشارة الولد بشارتان : إحداهما « 3 » : بشارة بالغلام . والثانية « 4 » : بالبقاء والبلوغ إلى وقت العلم ؛ حيث قالوا : إِنَّا نُبَشِّرُكَ بِغُلامٍ عَلِيمٍ ، وهو ما قال في آية أخرى : وَيُكَلِّمُ النَّاسَ فِي الْمَهْدِ وَكَهْلًا [ آل عمران : 46 ] ، ففي قوله « كهلا » دلالة وبشارة : إلى أنه يبقى إلى أن يصير كهلا ، وإلا الكهل يضعف .

--> ( 1 ) في ب : أيديهم . ( 2 ) سقط في ب . ( 3 ) في أ : أحدهما . ( 4 ) في أ : والثاني .