أبي منصور الماتريدي
449
تأويلات أهل السنة ( تفسير الماتريدي )
وقوله - عزّ وجل - : فَلا تَكُنْ مِنَ الْقانِطِينَ . قد ذكرنا فيما تقدم أن الأنبياء قد نهوا عن أشياء [ قد ] « 1 » عصموا عنها ما لا يحتمل أن يكون منهم ما نهوا عنه ؛ [ نحو قوله ] « 2 » : فَلا تَكُنْ مِنَ الْمُمْتَرِينَ [ آل عمران : 60 ] وَلا تَكُونَنَّ مِنَ الْمُشْرِكِينَ [ الأنعام : 14 ] و مِنَ الظَّالِمِينَ [ البقرة : 35 ] ، الْكافِرِينَ [ البقرة : 34 ] وأمثاله ، وذلك مما لا يتوهم كونه « 3 » منهم ؛ وذلك لما ذكرنا أن العصمة لا ترفع المحنة ؛ لأنها لو رفعت لذهبت فائدة العصمة ؛ لأنها « 4 » إنما يحتاج إليها عند المحنة ، وأمّا إذا لم يكن محنة فلا حاجة تقع إليها ، فعلى ذلك إبراهيم لم يكن قنط من رحمة ربه ؛ أنه لا يهب له الولد في حال كبره ؛ ولكن ما ذكرنا ، ثم بين أنه لا يقنط من رحمة ربه إلا الضالون : أخبر أن القنوط من رحمة الله هو ضلال ، والإياس من رحمته كفر ، فعندهم تضيق رحمته حتى لا يسع فيها الكبائر ، والمعتزلة يقنطون من رحمة ربهم ؛ لقولهم في أصحاب الكبائر ما يقولون . وقوله - عزّ وجل - : قالَ فَما خَطْبُكُمْ أَيُّهَا الْمُرْسَلُونَ [ الذاريات : 31 ] . قيل : فما خبركم ، وما قصتكم ، وما شأنكم ؟ والخطب : الشأن ؛ أي : على أي أمر وشأن أرسلتم . قالُوا إِنَّا أُرْسِلْنا إِلى قَوْمٍ مُجْرِمِينَ [ الذاريات : 32 ] . لم يحتمل أن يكون أول ما أخبروا إبراهيم وقالوه هذا ، ولكن كان فيه ما ذكر في آية أخرى : قالُوا إِنَّا مُهْلِكُوا أَهْلِ هذِهِ الْقَرْيَةِ إِنَّ أَهْلَها كانُوا ظالِمِينَ [ العنكبوت : 31 ] إِنَّا مُنْزِلُونَ عَلى أَهْلِ هذِهِ الْقَرْيَةِ رِجْزاً مِنَ السَّماءِ بِما كانُوا يَفْسُقُونَ [ العنكبوت : 34 ] فقال إبراهيم إِنَّ فِيها لُوطاً قالُوا نَحْنُ أَعْلَمُ بِمَنْ فِيها [ العنكبوت : 32 ] يذكر هاهنا على الاختصار ؛ فذلك يدل أن الخبر إذا أدّى معناه يجوز ، وإن لم يؤت بلفظه على ما كان . وقوله - عزّ وجل - : قالُوا إِنَّا أُرْسِلْنا إِلى قَوْمٍ مُجْرِمِينَ . إِلَّا آلَ لُوطٍ كأن الثنيا هاهنا تكون عن الأشخاص ، وأنفس أهل القرية ؛ عن قوله : مُجْرِمِينَ ؛ لأن آل لوط لم يكونوا مجرمين ؛ فلا يحتمل الاستثناء من ذلك . أو لا يكون على حقيقة الثنيا ، وإن كان في الخبر استثناء . وقوله - عزّ وجل - : إِلَّا آلَ لُوطٍ إِنَّا لَمُنَجُّوهُمْ أَجْمَعِينَ . إِلَّا امْرَأَتَهُ . أخبر أنهم يهلكون قومه ، ثم استثنى آله منهم ، ثم امرأته من آله ؛ ففيه دلالة أن الثنيا
--> ( 1 ) سقط في ب . ( 2 ) في ب : كقوله . ( 3 ) في ب : أمثاله . ( 4 ) في أ : لأنه .