أبي منصور الماتريدي
43
تأويلات أهل السنة ( تفسير الماتريدي )
أحدهما : ما كان هذا القرآن بالذي يحتمل الافتراء من دون الله ؛ لخروجه عن طوق البشر ووسعهم ، فذلك بالذي يحيله كونه مفترى بجوهره . والثاني : لما أودع فيه من الحكمة والصدق يدل على كونه من عند الله ؛ إذ كلام غيره يحتمل السفه والكذب ويحتمل الاختلاف . وَتَفْصِيلَ الْكِتابِ لا رَيْبَ فِيهِ قيل فيه بيان الكتب التي نزلت قبله ، وتمامه أن هذا وإن كان في اللفظ مختلفا فهو في الحكمة والصدق مبين موافق للأول . وقيل : وَتَفْصِيلَ الْكِتابِ [ أي : تفصيل ] « 1 » ما كتب لهم وما عليهم . أو أن يقال ؟ إلى الله تفصيل الكتب ليس إلى غير لا رَيْبَ فِيهِ أنه من عند رب العالمين . أو يقول : مفصل من اللوح المحفوظ . وقوله - عزّ وجل - : أَمْ يَقُولُونَ افْتَراهُ قُلْ فَأْتُوا بِسُورَةٍ مِثْلِهِ يقول : إن كان محمد افتراه من عند نفسه ، فأتوا أنتم بمثله « 2 » ؛ إذ لسانه ولسانكم واحد ، فأنتم قد عرفتم بالفرية والكذب ، ومحمد لم يعرف به قط ، ولا أخذ عليه بكذب قط ، فأنتم أولى أن تأتوا بسورة مثله . وَادْعُوا مَنِ اسْتَطَعْتُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ إِنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ اختلف فيه : قال بعضهم : ادعوا بآلهتكم التي تعبدونها ؛ ليعينوكم على إتيان « 3 » مثله . وقال بعضهم « 4 » : وَادْعُوا مَنِ اسْتَطَعْتُمْ أي : بمن لسانه مثل لسانكم ؛ ليعينوكم على ذلك . أو يقول : استعينوا بدراسة الكتب ؛ ليعينوكم على مثله إن كنتم صادقين أن محمدا افتراه من نفسه ؛ فدل ترك اشتغالهم بذلك على أنهم قد عرفوا أنه ليس بمفترى ، وأنه سماوي . وقوله - عزّ وجل - : بَلْ كَذَّبُوا بِما لَمْ يُحِيطُوا بِعِلْمِهِ . قال بعضهم : ما لم يحفظوا نظمه ، ولا لفظه ، ولا نظروا فيه ، ولا تدبروا ؛ ليعلموا معناه ، بل كذبوه بالبديهة ، والشيء إنما يعرف كذبه وصدقه بالنظر فيه والتفكر والتدبر ، لا بالبديهة ، فذلك - والله أعلم - تأويل قوله : بَلْ كَذَّبُوا بِما لَمْ يُحِيطُوا بِعِلْمِهِ . الثاني : بَلْ كَذَّبُوا بِما لَمْ يُحِيطُوا بِعِلْمِهِ كذبوا على علم منهم أنهم كذبة فيما يقولون ، ويتقولون : إنه مفترى ليس بمنزل وَلَمَّا يَأْتِهِمْ تَأْوِيلُهُ ، أي : ولما يأتهم العلم بتأويله ، أي : بتأويل القرآن .
--> ( 1 ) سقط في ب . ( 2 ) في ب : بسورة مثله . ( 3 ) في ب : إثبات . ( 4 ) قاله البغوي في تفسيره ( 2 / 354 ) .