أبي منصور الماتريدي
44
تأويلات أهل السنة ( تفسير الماتريدي )
ومعناه - والله أعلم - : أنهم كذبوه من غير أن حفظوا نظمه ، ووعوا لفظه ، ولا أتاهم العلم بعاقبته وآخره . وقيل : التأويل : هو رد كل شيء إلى أولية الأمر . وقالت الحكماء : التأويل : آخر كل فعل هو قصد في أوله وقصد كل شيء في أوله هو آخر في فعله ، أو نحوه . وقال بعضهم « 1 » : وَلَمَّا يَأْتِهِمْ تَأْوِيلُهُ قال : ما وعد الله أن يكون قبل أن يكون . وقال ابن عباس - رضي الله عنه - : تأويل القرآن بما يكون منه في الدنيا ، وبما يكون منه يوم القيامة ، وهو العذاب الذي وعد . وقال بعضهم : تَأْوِيلُهُ : ثوابه . وقيل « 2 » : عاقبته . وقال الواقدي : لم يأتهم عاقبة بيان ما وعد الله في القرآن في الآخرة من الوعيد . وأصل التأويل : هو النظر إلى ما تئول عاقبة الأمر . وقوله - عزّ وجل - : كَذلِكَ كَذَّبَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ ، أي : كذلك كذب الأمم السالفة رسلهم ، كما كذب كفار مكة رسولهم ، أي : لست أنت بأول مكذب ، بل كذب من كان قبلك من إخوانك ؛ ليكون له التسلي عما هو فيه من تكذيبهم إياه ، وردهم عليه أنه ينزل بهم ما نزل بأولئك إن هم أقاموا على ما هم عليه . والثاني : أن يكون الخطاب وإن كان خارجا لرسول الله صلى اللّه عليه وسلّم ، فهو راجع إلى قومه يأمرهم بالنظر فيما نزل بالأمم السالفة ، وأن يتأملوا أحوالهم ؛ ليكون ذلك سببا لزجرهم عما هم فيه . وقوله - عزّ وجل - : فَانْظُرْ كَيْفَ كانَ عاقِبَةُ الظَّالِمِينَ بالتكذيب ، أي : كيف يعاقبون ويعذبون ، والله أعلم . وقوله - عزّ وجل - : وَمِنْهُمْ مَنْ يُؤْمِنُ بِهِ قيل « 3 » : من أهل مكة من يؤمن بهذا القرآن ، ومنهم من لا يؤمن به ، وهم كذلك كانوا ، منهم من قد آمن به ، ومنهم من لا يؤمن به ، أي : من لم يؤمن به . ويحتمل على الوعيد فيما يستقبل ، أي : منهم : من أهل مكة من يؤمن بهذا القرآن ، ومنهم من لا يؤمن به ، وهم كذلك كانوا : منهم من قد آمن ، ومنهم من لم يؤمن به . قال بعضهم : هي في اليهود ، ليست في أهل مكة ، وظاهره أن يكون في كفار مكة ،
--> ( 1 ) انظر تفسير ابن جرير ( 6 / 562 ) والبغوي ( 2 / 354 ) . ( 2 ) انظر تفسير غريب القرآن لابن قتيبة ( ص / 197 ) . ( 3 ) انظر تفسير ابن جرير ( 6 / 563 ) والبغوي ( 2 / 354 ) .