أبي منصور الماتريدي

424

تأويلات أهل السنة ( تفسير الماتريدي )

لرسوله ؛ لحافظون له : بالنبوة والرسالة . قوله تعالى : [ سورة الحجر ( 15 ) : الآيات 10 إلى 15 ] وَلَقَدْ أَرْسَلْنا مِنْ قَبْلِكَ فِي شِيَعِ الْأَوَّلِينَ ( 10 ) وَما يَأْتِيهِمْ مِنْ رَسُولٍ إِلاَّ كانُوا بِهِ يَسْتَهْزِؤُنَ ( 11 ) كَذلِكَ نَسْلُكُهُ فِي قُلُوبِ الْمُجْرِمِينَ ( 12 ) لا يُؤْمِنُونَ بِهِ وَقَدْ خَلَتْ سُنَّةُ الْأَوَّلِينَ ( 13 ) وَلَوْ فَتَحْنا عَلَيْهِمْ باباً مِنَ السَّماءِ فَظَلُّوا فِيهِ يَعْرُجُونَ ( 14 ) لَقالُوا إِنَّما سُكِّرَتْ أَبْصارُنا بَلْ نَحْنُ قَوْمٌ مَسْحُورُونَ ( 15 ) وقوله - عزّ وجل - : وَلَقَدْ أَرْسَلْنا مِنْ قَبْلِكَ فِي شِيَعِ الْأَوَّلِينَ . قيل : في ملك الأولين . وقيل : في فرق الأولين . وقيل : في جماعات [ الأولين ] « 1 » ، وهو واحد . وَما يَأْتِيهِمْ مِنْ رَسُولٍ إِلَّا كانُوا بِهِ يَسْتَهْزِؤُنَ . يصبر رسوله على استهزاء قومه إياه ، وأذاهم له . يقول - والله أعلم - : لست أنت المخصوص بهذا ، ولكن لك شركاء وأصحاب في ذلك ؛ ليخف ذلك عليه ويهون ؛ لأن العرف في الخلق أن من كان له شركاء وأصحاب في شدة أصابته أو بلاء يصيبه - كان ذلك أيسر عليه ، وأهون من أن يكون مخصوصا به ، من بين سائر الخلائق . والله أعلم . كأن هذه الآية صلة قولهم : يا أَيُّهَا الَّذِي نُزِّلَ عَلَيْهِ الذِّكْرُ ، فكأنه لما سمع هذا اشتد عليه ، وضاق صدره بذلك ؛ فعند ذلك قال : وَلَقَدْ أَرْسَلْنا مِنْ قَبْلِكَ فِي شِيَعِ الْأَوَّلِينَ . . . إلى آخره ، يصبره على أذاهم وهزئهم به ؛ فإنما يشتد عليه ذلك ؛ على قدر شفقته ونصيحته لهم ، وكان بلغ نصيحته وشفقته لهم ما ذكر : لَعَلَّكَ باخِعٌ نَفْسَكَ [ الشعراء : 3 ] وقوله : فَلا تَذْهَبْ نَفْسُكَ عَلَيْهِمْ حَسَراتٍ [ فاطر : 8 ] كادت نفسه تهلك ، أو ذكر هذا له لما أن هؤلاء - أعني قومه - إنما استهزءوا به تقليدا لآبائهم ، واستهزاء بهم وتلقنوا منهم ، لا أنهم أنشئوا ذلك من أنفسهم ، وأولئك - أعني : الأوائل - إنما استهزءوا برسلهم ، لا تقليدا بأحد ، ولكن إنشاء من ذات أنفسهم ، فمن استهزأ بآخر [ فشتمه ؛ تقليدا ] « 2 » واقتداء وتلقنا - كان ذلك أيسر عليه وأخف ممن فعل به من ذاته ؛ لأنه إنما يلقن المجانين والصبيان ومن به آفة ، بمثل ذلك ؛ فهم الذين يعملون بالتلقين ، وأما العقلاء السالمون عن الآفات - فلا ، فذلك أهون عليه من استهزاء أولئك برسلهم والله أعلم .

--> ( 1 ) سقط في أ . ( 2 ) في ب : تقليدا وشتمه .