أبي منصور الماتريدي
425
تأويلات أهل السنة ( تفسير الماتريدي )
وقوله - عزّ وجل - : كَذلِكَ نَسْلُكُهُ فِي قُلُوبِ الْمُجْرِمِينَ . اختلف فيه : قال بعضهم « 1 » : كذلك نسلك التكذيب والاستهزاء في قلوب المجرمين ؛ لا يؤمنون به ، يقول : من حكم الله أن يسلك التكذيب في قلب من اختار التكذيب وكذبه ، ومن حكمه أن يسلك التصديق في قلب من صدقه واختاره ؛ كقوله : فَلَمَّا زاغُوا أَزاغَ اللَّهُ قُلُوبَهُمْ [ الصف : 5 ] وكقوله : وَما يُضِلُّ بِهِ إِلَّا الْفاسِقِينَ [ البقرة : 26 ] . وقال بعضهم « 2 » : قوله : كَذلِكَ نجعل الكفر والتكذيب فِي قُلُوبِ الْمُجْرِمِينَ بكفرهم ؛ كقوله : وَجَعَلْنا عَلى قُلُوبِهِمْ أَكِنَّةً أَنْ يَفْقَهُوهُ . . . الآية [ الأنعام : 25 ] وقوله : وَجَعَلْنا قُلُوبَهُمْ قاسِيَةً [ المائدة : 13 ] ونحوه . ويحتمل قوله : نَسْلُكُهُ فِي قُلُوبِ الْمُجْرِمِينَ الحجج والآيات ؛ ليكون تكذيبهم وردّهم [ الآيات والحجج ] « 3 » ، وتكذيبهم تكذيب عناد ومكابرة ، لا يؤمنون به . وقوله : كَذلِكَ نَسْلُكُهُ فِي قُلُوبِ الْمُجْرِمِينَ أي : مثل الذي سلكنا في قلوب المؤمنين ؛ من قبول الآيات والحجج ، والتصديق لها ؛ لما علم أنهم يختارون ذلك - نسلك « 4 » في قلوب المجرمين ؛ من تكذيب الآيات والحجج وردها ؛ لما علم منهم الرد والتكذيب لها . هذا يحتمل ، ويحتمل غير هذا مما ذكرنا . والله أعلم . وقوله - عزّ وجل - : وَقَدْ خَلَتْ سُنَّةُ الْأَوَّلِينَ . يحتمل قوله : وَقَدْ خَلَتْ سُنَّةُ الْأَوَّلِينَ بالتكذيب ، والردّ ، والمعاندة ، والمكابرة ، بعد قيام الحجج والآيات . ويحتمل : وَقَدْ خَلَتْ سُنَّةُ الْأَوَّلِينَ : الهلاك والاستئصال عند مكابرة حجج الله ، ومعاندتهم إياها . وقال بعض أهل التأويل « 5 » : كَذلِكَ نَسْلُكُهُ أي : نجعله ؛ على ما ذكرنا ، الكفر بالعذاب فِي قُلُوبِ الْمُجْرِمِينَ ، لا يُؤْمِنُونَ بِهِ أي : لا يصدقون بالعذاب وَقَدْ خَلَتْ سُنَّةُ الْأَوَّلِينَ بالتكذيب لرسلهم بالعذاب ، فهؤلاء يستنون بسنتهم . وقال أبو عوسجة : كَذلِكَ نَسْلُكُهُ : أي : ندخله ؛ يقال : السالك : الداخل ، والسلوك : الدخول ، وسلكت أدخلت ، وتصديقه : قوله : كَذلِكَ سَلَكْناهُ [ الشعراء :
--> ( 1 ) قاله البغوي ( 3 / 45 ) . ( 2 ) قاله سفيان ، أخرجه ابن جرير عنه ( 21040 ) . ( 3 ) في ب : الحجج والآيات . ( 4 ) في أ : مثلك . ( 5 ) هو قول سفيان كما تقدم .