أبي منصور الماتريدي

423

تأويلات أهل السنة ( تفسير الماتريدي )

لنا إذا أتوك ؛ فننظر إليهم أملائكة هم - على ما تزعم - أم شياطين ؟ وقال بعضهم : لو ما تأتينا بالملائكة فيشهدون أنك رسول الله ، وأنك أرسلت على ما تدعي من الرسالة ؛ فقال : ما نُنَزِّلُ الْمَلائِكَةَ إِلَّا بِالْحَقِّ : [ إلا بالموت ] « 1 » وَما كانُوا إِذاً مُنْظَرِينَ . قال بعضهم : أن ليس في وسع البشر رؤية الملائكة على صورتهم ؛ فقال : ما نُنَزِّلُ الْمَلائِكَةَ إِلَّا بِالْحَقِّ : إلا بالموت ، لو رأوا ؛ لماتوا ؛ لما لم يجعل في وسعهم رؤية الملائكة ، وهو كقوله : وَقالُوا لَوْ لا أُنْزِلَ عَلَيْهِ مَلَكٌ . . . الآية [ الأنعام : 8 ] أخبر أنه لو أنزل [ عليهم الملك ] « 2 » - لماتوا ؛ إذ ليس في وسعهم رؤية الملائكة « 3 » على صورتهم ، ثم أخبر أيضا أنه لو جعله ملكا لجعله رجلا ، ويكون في ذلك لبس على أولئك . وقال بعضهم : ما نُنَزِّلُ الْمَلائِكَةَ إِلَّا بِالْحَقِّ : أي : إلا بالحجج والآيات والبراهين على الرسل ، وعلى من هو أهل لذلك ، ليس على كل أحد . وقال بعضهم « 4 » : إِلَّا بِالْحَقِّ : أي : إلّا بالعذاب الذي يكون فيه هلاكهم ، وهكذا إن الملائكة لا تنزل إلا بالعذاب الذي فيه هلاكهم أو بالحجج والبراهين . والله أعلم . وقوله - عزّ وجل - : إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ يعني القرآن وَإِنَّا لَهُ لَحافِظُونَ . حتى لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه ، وفيما وكل الحفظ إلى نفسه ؛ لم يقدر أحد من الطاعنين « 5 » مع كثرتهم منذ نزل موضع الطعن فيه ، وذلك يدلّ أنه سماوي ، وأنه محفوظ . وقال بعضهم « 6 » : وَإِنَّا لَهُ لَحافِظُونَ : أي : محمدا عليه أفضل الصلوات : أي : نحفظه بالذكر الذي أنزل عليه ؛ كقوله : وَاللَّهُ يَعْصِمُكَ مِنَ النَّاسِ [ المائدة : 67 ] وكقوله : قُلْ إِنْ ضَلَلْتُ فَإِنَّما أَضِلُّ عَلى نَفْسِي . . . الآية [ سبأ : 50 ] أخبر أنه إنما يهتدي بما يوحي إليه ربّه ، فعلى ذلك يحفظه بالقرآن الذي أنزل عليه . ويحتمل [ أن يكون ] « 7 » الذكر : النبوة ؛ أي : إنا نحن نزلنا النبوة ، وإنا له : أي :

--> ( 1 ) سقط في ب . ( 2 ) في ب : عليه . ( 3 ) في أ : الملك . ( 4 ) قاله مجاهد ، أخرجه ابن جرير ( 21028 ، 21029 ) وابن أبي شيبة وابن المنذر وابن أبي حاتم : كما في الدر المنثور ( 4 / 175 ) . ( 5 ) في أ : الطاغين . ( 6 ) قاله البغوي ( 3 / 44 ) . ( 7 ) سقط في ب .