أبي منصور الماتريدي
422
تأويلات أهل السنة ( تفسير الماتريدي )
وعلى قول المعتزلة : لا يملك إنجاز ما وعد ؛ لأنه يجيء إنسان ؛ فيقتله ؛ فيمنع الله عن وفاء ما وعد ، فذلك عجز وخلف في الوعد ، فنعوذ بالله من السرف في القول ، والزيغ عن الحق « 1 » . وقوله - عزّ وجل - : وَقالُوا يا أَيُّهَا الَّذِي نُزِّلَ عَلَيْهِ الذِّكْرُ يعني : القرآن . إِنَّكَ لَمَجْنُونٌ . قال الحسن : قوله : يا أيها الذي تدعي أنه نزل عليه الذكر : إنك لمجنون ؛ فيما تدعي من نزول الذكر ، هو على الإضمار الذي قال الحسن ، وإلا في الظاهر متناقض ؛ لأنهم كانوا لا يقرون بنزول الذكر عليه ؛ لأنهم لو أقروا نزول الذكر عليه لكان قولهم متناقضا فاسدا . إِنَّكَ لَمَجْنُونٌ سموه مجنونا ، والذي حملهم على تسميتهم إياه مجنونا وجوه : أحدها : [ أنهم ] « 2 » لما رأوه أنه قد أظهر الخلاف لذوي العقول منهم والأفهام ، والدعاء إلى غير ما هم فيه ؛ فرأوا أنه ليس يخالف أهل العقول والفهم إلا بجنون به ؛ فسموه مجنونا . والثاني : رأوه قد أظهر الخلاف للفراعنة والجبابرة ، الذين كانت عادتهم القتل والهلاك من أظهر الخلاف لهم ؛ في أمر من أمورهم الدنياوية ؛ فكيف من أظهر [ الخلاف لهم ] « 3 » في الدين ؟ فظنوا أنه ليس يخالفهم ، ولا يخاطر بنفسه وروحه إلا لجنون فيه . والثالث : قالوا ذلك لما رأوه ؛ كان يتغير لونه عند نزول الوحي عليه ؛ فظنوا أن ذلك لآفة فيه ، ومن تأمل حقيقة ذلك علم أن من قرفه بالجنون فيه « 4 » هو المجنون لا هو ؛ حيث قال : أَ وَلَمْ يَتَفَكَّرُوا ما بِصاحِبِهِمْ مِنْ جِنَّةٍ . . . الآية [ الأعراف : 184 ] وقال : ما أَنْتَ بِنِعْمَةِ رَبِّكَ بِمَجْنُونٍ [ القلم : 2 ] أخبر أنهم لو تفكروا عرفوا أنه ليس به جنة ، ولكن عن معاندة ومكابرة ؛ يقولون ؛ وجهل ، وسموه مرة ساحرا ؛ فذلك تناقض في القول ؛ لأنه لا يسمى ساحرا إلا لفضل بصر وعلم ؛ فذلك تناقض . وقوله - عزّ وجل - : لَوْ ما تَأْتِينا بِالْمَلائِكَةِ إِنْ كُنْتَ مِنَ الصَّادِقِينَ . تأويله - والله أعلم - يقولون له : إنك تزعم أن الملائكة يأتونك بالوحي ، فهلا أظهرت
--> ( 1 ) في أ : الخلق . ( 2 ) سقط في ب . ( 3 ) في ب : لهم الخلاف . ( 4 ) في أ : به .