أبي منصور الماتريدي
413
تأويلات أهل السنة ( تفسير الماتريدي )
وقد تستعمل ( إن ) في موضع ( قد ) ؛ كقوله : إِنْ كانَ وَعْدُ رَبِّنا لَمَفْعُولًا [ الإسراء : 108 ] أي : قد كان وعد ربنا لمفعولا . فمن حمله على ( ما ) فقد استهان بمكرهم ، واستخف به ؛ فقال : إن مكرهم أوهن وأضعف من أن تزول منه الجبال ، والجبال أوهن وأسرع زوالا من رسالة الرسل ودين الله ، بل رسالة الرسل ؛ ودين الله [ أثبت من الجبال ، لأن دين الله ] « 1 » ورسله معهما حجج الله وبراهينه ، فإذا لم يعمل مكرهم في إزالة الجبال - لا يعمل في إزالة دين الله ورسالة الرسل ، ومعهما الحجج والبراهين . ومن قال : وَإِنْ كانَ : قد حمله على الاستعظام « 2 » بمكرهم . وعلى ذلك : من قرأ [ كاد ] « 3 » بالدال على الاستعظام بمكرهم ؛ كقوله : تَكادُ السَّماواتُ يَتَفَطَّرْنَ مِنْهُ وَتَنْشَقُّ الْأَرْضُ وَتَخِرُّ الْجِبالُ هَدًّا . أَنْ دَعَوْا لِلرَّحْمنِ وَلَداً [ مريم : 90 ، 91 ] من عظيم ما قالوا في الله كادت السماوات أن تنشق ، فعلى ذلك مكرهم جميعا الوجهين : أن يستهان مرة ويستعظم ؛ إلا أن يقال : إن كلمتهم من حيث الشرك والكفر عظيمة ، ومن حيث احتيالهم ومكرهم - في إزالة ذلك النور وإطفائه - ضعيفة . والله سبحانه أعلم . وقوله - عزّ وجل - : فَلا تَحْسَبَنَّ اللَّهَ مُخْلِفَ وَعْدِهِ رُسُلَهُ . الخطاب به يحتمل ما ذكرنا : أي : لا تحسبن أن ما تأخر ؛ من نزول ما وعد ؛ أنه يخلف وعده الذي وعد رسله ؛ كما لم يكن تأخير العذاب عنهم ؛ من وقت ظلمهم عن غفلة وسهو ، ولكن كان وعده إلى ذلك الوقت ، وخلف الوعد في الشاهد من الخلق - إنما يكون لوجهين : أحدهما : لما لا يملك إنجاز ما وعد . والثاني : لما يضره الإنجاز ، فتعالى الله عن ذلك كله . وقوله - عزّ وجل - : إِنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ ذُو انتِقامٍ . قال بعضهم : عزيز : لا يعجزه شئ . وقيل : عزيز : قاهر يقهر ويذل ؛ فالخلائق كلهم أذلاء دونه . وقوله : عَزِيزٌ : أي : غالب قاهر ذو انتقام لأوليائه من أعدائهم ؛ أي : غالب الأعداء وقاهرهم ، وناصر الأولياء .
--> ( 1 ) سقط في أ . ( 2 ) في ب : الاستفهام . ( 3 ) سقط في ب .