أبي منصور الماتريدي

408

تأويلات أهل السنة ( تفسير الماتريدي )

لذهبت فائدة العصمة ، ولا حاجة تقع إليها ، فدل أن العصمة تزيد في المحنة ، ومع المحنة يحتاج إليها وينتفع بها . ويحتمل أن يكون الخطاب بالآية غيره ، كل ظانّ يظن بالله الغفلة عن ظلم الظالم ؛ وهو كما خاطب بقوله : يا أَيُّهَا الْإِنْسانُ ما غَرَّكَ بِرَبِّكَ الْكَرِيمِ [ الانفطار : 6 ] إنما خاطب به كل غارّ بربه الكريم لا كل إنسان ، فعلى ذلك خاطب بقوله : وَلا تَحْسَبَنَّ اللَّهَ غافِلًا عَمَّا يَعْمَلُ الظَّالِمُونَ كل ظانّ بالله الغفلة عن ظلم الظالمين « 1 » ، ثم إن الذي حملهم على الظن بالله الغفلة عن ظلم الظالم - حلمه « 2 » ، وتأخيره العذاب عنهم عن وقت ظلمهم ، وترك أخذهم بذلك : فمنهم من ادعى الغفلة عن ذلك ؛ لما رأوا من عادة ملوك الأرض أن من ظلم [ أحدا ] « 3 » منهم انتقم منه في أعجل وقت يقدر على الانتقام منه ؛ فحمل تأخير الله العذاب منهم ؛ والانتقام منهم - على القول بالغفلة . ومنهم من ادعى الرضا ؛ بما اختاروا هم من الشرك والكفر بالله ، وادعوا الأمر بذلك ؛ لما لم يأخذهم ولم يستأصلهم بصنيعهم ؛ فاستدلوا بذلك [ على ] رضاه بفعلهم « 4 » ، وأمره إياهم بذلك . فأخبر رسوله أن تأخيره العذاب عنهم وإمهاله إياهم - ليس عن غفلة [ عنه ] « 5 » ولا عن سهو ، ولا لرضاه به وأمره ولكن إنما يؤخرهم ليوم ، ثم وصف ذلك اليوم ؛ لشدة فزعه وهوله فقال . لِيَوْمٍ تَشْخَصُ فِيهِ الْأَبْصارُ . مُهْطِعِينَ مُقْنِعِي رُؤُسِهِمْ لا يَرْتَدُّ إِلَيْهِمْ طَرْفُهُمْ . قال بعضهم : هذا كله يرجع إلى الطرف والبصر ؛ يقول : شاخصة أبصارهم مهطعين : ناظرين إليه ؛ أي : إلى الداعي ، مقنعي رؤوسهم : رافعي رؤوسهم ، لا يرتد إليهم طرفهم ؛ لهول ذلك اليوم ، هذا كله يصرفون إلى الأبصار دون النفس ؛ لأن الإهطاع والإقناع : هو للنظر ولشخوص الأبصار . ومنهم من صرف قوله : تَشْخَصُ فِيهِ الْأَبْصارُ ، و لا يَرْتَدُّ إِلَيْهِمْ طَرْفُهُمْ إلى البصر ، وصرف قوله : مُهْطِعِينَ مُقْنِعِي رُؤُسِهِمْ إلى الأنفس ؛ وهو ما ذكر في موضع آخر : مُهْطِعِينَ إِلَى الدَّاعِ [ القمر : 8 ] أي : مسرعين إليه الإجابة ؛ رجاء التخلص والنجاة عما حل بهم ؛ بترك الإجابة .

--> ( 1 ) في أ : الظالم . ( 2 ) في أ : حمله . ( 3 ) سقط في ب . ( 4 ) في أ : بفعله . ( 5 ) سقط في أ .