أبي منصور الماتريدي
407
تأويلات أهل السنة ( تفسير الماتريدي )
ويحتمل قوله : إِنَّكَ تَعْلَمُ ما نُخْفِي وَما نُعْلِنُ كانت له حاجات أخفاها ، طلب قضاءها ؛ فقال : تعلم حاجاتي ؛ أخفيتها ، أو أعلنتها فاقضها لي ، أو أن يكون قومه طعنوا في شيء ؛ فقال ذلك على التبري من ذلك ؛ إنه يعلم ما نخفي وما نعلن ، ولم يعلم ذلك الذين يطعنون في مِنِّي والله أعلم ؛ كقول عيسى : تَعْلَمُ ما فِي نَفْسِي [ المائدة : 116 ] أو أن يكون قال ذلك ؛ لأن أهل الأديان جميعا كانوا يوالون إبراهيم ويدعون أنه على دينهم ؛ ولذلك قال : ما كانَ إِبْراهِيمُ يَهُودِيًّا وَلا نَصْرانِيًّا . . . [ آل عمران : 67 ] الآية . برأه الله مما ادعى كل فريق . ثم منهم ؛ من كان من هذه الفرق ؛ يدعون الأسرار عن الله والإخفاء عنه ؛ فقال هذا ليعلم الناس توحيده ؛ أنه لا يخفى عليه شيء ؛ أخفي أو أعلن ؛ ليعرفوا توحيده أنه ليس شيء يخفى عليه . والله أعلم . قوله تعالى : [ سورة إبراهيم ( 14 ) : الآيات 42 إلى 52 ] وَلا تَحْسَبَنَّ اللَّهَ غافِلاً عَمَّا يَعْمَلُ الظَّالِمُونَ إِنَّما يُؤَخِّرُهُمْ لِيَوْمٍ تَشْخَصُ فِيهِ الْأَبْصارُ ( 42 ) مُهْطِعِينَ مُقْنِعِي رُؤُسِهِمْ لا يَرْتَدُّ إِلَيْهِمْ طَرْفُهُمْ وَأَفْئِدَتُهُمْ هَواءٌ ( 43 ) وَأَنْذِرِ النَّاسَ يَوْمَ يَأْتِيهِمُ الْعَذابُ فَيَقُولُ الَّذِينَ ظَلَمُوا رَبَّنا أَخِّرْنا إِلى أَجَلٍ قَرِيبٍ نُجِبْ دَعْوَتَكَ وَنَتَّبِعِ الرُّسُلَ أَ وَلَمْ تَكُونُوا أَقْسَمْتُمْ مِنْ قَبْلُ ما لَكُمْ مِنْ زَوالٍ ( 44 ) وَسَكَنْتُمْ فِي مَساكِنِ الَّذِينَ ظَلَمُوا أَنْفُسَهُمْ وَتَبَيَّنَ لَكُمْ كَيْفَ فَعَلْنا بِهِمْ وَضَرَبْنا لَكُمُ الْأَمْثالَ ( 45 ) وَقَدْ مَكَرُوا مَكْرَهُمْ وَعِنْدَ اللَّهِ مَكْرُهُمْ وَإِنْ كانَ مَكْرُهُمْ لِتَزُولَ مِنْهُ الْجِبالُ ( 46 ) فَلا تَحْسَبَنَّ اللَّهَ مُخْلِفَ وَعْدِهِ رُسُلَهُ إِنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ ذُو انتِقامٍ ( 47 ) يَوْمَ تُبَدَّلُ الْأَرْضُ غَيْرَ الْأَرْضِ وَالسَّماواتُ وَبَرَزُوا لِلَّهِ الْواحِدِ الْقَهَّارِ ( 48 ) وَتَرَى الْمُجْرِمِينَ يَوْمَئِذٍ مُقَرَّنِينَ فِي الْأَصْفادِ ( 49 ) سَرابِيلُهُمْ مِنْ قَطِرانٍ وَتَغْشى وُجُوهَهُمُ النَّارُ ( 50 ) لِيَجْزِيَ اللَّهُ كُلَّ نَفْسٍ ما كَسَبَتْ إِنَّ اللَّهَ سَرِيعُ الْحِسابِ ( 51 ) هذا بَلاغٌ لِلنَّاسِ وَلِيُنْذَرُوا بِهِ وَلِيَعْلَمُوا أَنَّما هُوَ إِلهٌ واحِدٌ وَلِيَذَّكَّرَ أُولُوا الْأَلْبابِ ( 52 ) وقوله - عزّ وجل - : وَلا تَحْسَبَنَّ اللَّهَ غافِلًا عَمَّا يَعْمَلُ الظَّالِمُونَ . قال بعضهم : المخاطب بهذا الرسول صلى اللّه عليه وسلّم خاصة ؛ على علم منه أن رسول الله كان لا يظن أن الله يغفل عما يعمل الظالمون ؛ لكنه خاطب به كما خاطب به في قوله : وَلا تَدْعُ مَعَ اللَّهِ إِلهاً آخَرَ [ القصص : 88 ] وقوله : وَلا تَكُونَنَّ مِنَ الْمُشْرِكِينَ [ القصص : 87 ] وأمثاله ، نهاه مع العلم أنه لا يفعل « 1 » ذلك ، وأصله في هذا أن العصمة لا ترفع المحنة ، وليس المحنة إلا الأمر والنهي ؛ إذ لو رفعت العصمة المحنة ؛ والأمر والنهي ؛
--> ( 1 ) في أ : يغفل .