أبي منصور الماتريدي

406

تأويلات أهل السنة ( تفسير الماتريدي )

قال بعضهم : تقبل دعائي في إقامة الصلاة لنفسه وذريته ؛ لكن لا يجب أن يخص دعاء من الدعوات التي سأل ربه ؛ وقد دعا ربه بدعوات كثيرة ؛ نحو ما قال : وَاجْنُبْنِي وَبَنِيَّ أَنْ نَعْبُدَ الْأَصْنامَ ، وقوله : رَبَّنا لِيُقِيمُوا الصَّلاةَ فَاجْعَلْ أَفْئِدَةً مِنَ النَّاسِ تَهْوِي إِلَيْهِمْ ، وقال : رَبَّنا وَاجْعَلْنا مُسْلِمَيْنِ لَكَ [ البقرة : 128 ] ، وغير ذلك من الدعوات . وقوله - عزّ وجل - : رَبَّنَا اغْفِرْ لِي وَلِوالِدَيَّ . طلب من ربه المغفرة لوالديه . قال الحسن : إن أمّه كانت مسلمة ، وأما أبوه : فكان « 1 » كافرا ؛ لأنه قال : وَاغْفِرْ لِأَبِي إِنَّهُ كانَ مِنَ الضَّالِّينَ [ الشعراء : 86 ] فخص « 2 » والده بالضلال ؛ دل أن أمه كانت مسلمة ؛ لكنا لا نعلم ما حال الأم : أمه كانت مسلمة أو كافرة ، وأما أبوه فهو لا شك أنه كان كافرا . ثم [ لا ] « 3 » يحتمل دعاؤه لوالديه ؛ وهما كافران ؛ إن كانت « 4 » أمّه كافرة ؛ إلا على إضمار الإسلام ؛ أي : اغفر لهما إن أسلما ، أو أن يكون سؤاله المغفرة لهما سؤال الإسلام نفسه ، أو أن يكون طلب منه الستر عليهما في الدنيا ، وألّا يفضحهما ولا يخزيهما ، لكنه سأل المغفرة يوم يقوم الحساب . ولا يحتمل طلب الستر إلا أن يفصل بين قوله : رَبَّنَا اغْفِرْ لِي وَلِوالِدَيَّ وبين قوله : وَلِلْمُؤْمِنِينَ يبتدئ بالمؤمنين يوم يقوم الحساب ، وقد ذكرنا هذا فيما تقدم ودعاء إبراهيم وسؤاله المغفرة لوالديه يكون سؤال السبب ؛ الذي يستحقان به المغفرة من ربها ، ويكونان أهلا لها ؛ وهو التوحيد ومعرفة المولى ؛ وهو ما ذكرنا في أمر نوح قومه الاستغفار له ، وكذلك قول هود ؛ حيث قال : وَيا قَوْمِ اسْتَغْفِرُوا رَبَّكُمْ . . . الآية [ هود : 52 ] وقوله - عزّ وجل - : يَوْمَ يَقُومُ الْحِسابُ . يحتمل قوله : يَوْمَ يَقُومُ الْحِسابُ : بالعدل ؛ يقول الرجل لآخر : أقم حسابي أي : اعدل فيه . وإقامة الحساب : العدل فيه ؛ على ما توجبه « 5 » الحكمة ، لا يزاد ولا ينقص ؛ كقوله : وَنَضَعُ الْمَوازِينَ الْقِسْطَ [ الأنبياء : 46 ] قال بعضهم « 6 » : يَوْمَ يَقُومُ الْحِسابُ : يوم يحاسبون ، قيام الحساب : هو المحاسبة نفسها والله أعلم .

--> ( 1 ) في ب : كان . ( 2 ) في ب : خص . ( 3 ) سقط في أ . ( 4 ) في ب : كان . ( 5 ) في أ : يوجب . ( 6 ) قاله البغوي ( 3 / 39 ) .