أبي منصور الماتريدي

402

تأويلات أهل السنة ( تفسير الماتريدي )

وقوله - عزّ وجل - : وَمَنْ عَصانِي فَإِنَّكَ غَفُورٌ رَحِيمٌ . يشبه قوله : وَمَنْ عَصانِي ليس عصيان شرك ، ولكن عصيان ما دون الشرك ؛ فإنه غفور رحيم . أو من عصاني فإنك غفور ؛ أي : ساتر عليه الكفر إلى وقت معلوم ؛ إذ الغفران : هو الستر ؛ فستر عليه إلى أجل ؛ كقوله : إِنَّما يُؤَخِّرُهُمْ لِيَوْمٍ أو يقول : وَمَنْ عَصانِي فَإِنَّكَ غَفُورٌ رَحِيمٌ : أي : تمكن له من التوبة والإسلام ؛ فيسلم ويتوب ؛ فتغفر له ما كان منه من العصيان ؛ وترحم عليه . وقوله : وَمَنْ عَصانِي فيما دعوته إليه وأمرته به فَإِنَّكَ غَفُورٌ رَحِيمٌ تمكن له من التوبة ، والرجوع عما كان ؛ فتغفر له وترحمه . وقوله - عزّ وجل - : رَبَّنا إِنِّي أَسْكَنْتُ مِنْ ذُرِّيَّتِي بِوادٍ غَيْرِ ذِي زَرْعٍ . لا يحتمل أن يكون قال هذا أول ما قدم تلك البقعة ؛ لأنه قال : عِنْدَ بَيْتِكَ الْمُحَرَّمِ ولا بيت هنالك ، دل أنه إنما دعا بهذه الدعوات : رَبَّنا إِنِّي أَسْكَنْتُ مِنْ ذُرِّيَّتِي وما ذكر رَبَّنا وَاجْعَلْنا مُسْلِمَيْنِ لَكَ وَمِنْ ذُرِّيَّتِنا . . . [ البقرة : 128 ] إلى آخر ما ذكر ؛ بعد ما رفع البيت . وقوله - عزّ وجل - : أَسْكَنْتُ مِنْ ذُرِّيَّتِي دل أنه إنما أسكن بعض ذريته ؛ لم يسكن ذريته كلها ؛ حيث قال : مِنْ ذُرِّيَّتِي . قد امتحنه الله بمحن ثلاثة ؛ لم يمتحن بمثلها أحدا من الأنبياء : أحدها : امتحنه بإسكان ولده بواد غير ذي زرع ؛ وغير ذي ماء ، مما لا يحتمل قلب بشر تركه في مثل ذلك المكان مثله ، دل أنه إنما فعل بأمر من الله تعالى . والثاني : امتحنه بذبح ولده حتى إذا أشرف على الهلاك - فداه الله تعالى بكبش . [ والثالث ] « 1 » : امتحنه بإلقائه في النار ؛ فألقى حتى إذا أشرف على الهلاك - جعلها الله

--> - العلاء بن عبد الرحمن عن أبيه عن أبي هريرة به . وقال الترمذي : حديث حسن صحيح . وقال الحاكم : صحيح على شرط مسلم . قلت : وقد وهم رحمه الله في ذلك فالحديث في صحيح مسلم كما تقدم في التخريج . وللحديث شواهد من حديث ابن عمر وأبي بردة بن يسار وابن مسعود والحارث بن سويد وقيس ابن أبي غرزة وأبي الحمراء وعائشة . حديث ابن عمر : أخرجه أحمد ( 2 / 50 ) والبزار ( 2 / 82 ) رقم ( 1255 ) من طريق ابن معشر عن نافع عن ابن عمر أن النبي صلى اللّه عليه وسلّم قال : « من غشنا فليس منا » . والحديث ذكره الهيثمي في ( مجمع الزوائد ) ( 2 / 288 ) وقال : رواه أحمد والبزار والطبراني في ( الأوسط ) وفيه أبو معشر وهو صدوق وضعفه جماعة . ( 1 ) سقط في أ .