أبي منصور الماتريدي
403
تأويلات أهل السنة ( تفسير الماتريدي )
تعالى عليه بردا وسلاما . ففي ذلك كله دلالة رسالته . وكانت له هجرتان : إحداهما إلى مكة ؛ حيث أسكن فيها ولده ، والهجرة الثانية إلى بيت المقدس ؛ وهو ما ذكر : وَنَجَّيْناهُ وَلُوطاً إِلَى الْأَرْضِ الَّتِي بارَكْنا فِيها . . . الآية [ الأنبياء : 71 ] . ثم قوله : رَبَّنا إِنِّي أَسْكَنْتُ مِنْ ذُرِّيَّتِي بِوادٍ غَيْرِ ذِي زَرْعٍ هو دعاء بتعريض لا بتصريح ، والدعاء بالتعريض ؛ والسؤال بالكناية أبلغ وأكثر من السؤال بالتصريح ، وهو كدعاء آدم وحواء : رَبَّنا ظَلَمْنا أَنْفُسَنا . . . الآية [ الأعراف : 23 ] فهذا أبلغ في السؤال من قوله : اغفر لنا وارحمنا ؛ لأن مثل هذا قد سئل من دونه ؛ ولا يكون فيه ما ذكر فيه من الخسران . وقوله : مِنْ ذُرِّيَّتِي يحتمل أن يكون كلمة ( من ) صلة ؛ أي : أسكنت ذريتي ، ويحتمل على التبعيض ؛ أي : أسكنت بعض ذريتي ، على ما ذكر في بعض التأويلات : إسماعيل وإسحاق . وقوله - عزّ وجل - : عِنْدَ بَيْتِكَ الْمُحَرَّمِ . يحتمل قوله : الْمُحَرَّمِ وجهين : أحدهما : حرمه أن يستحل فيه ما لا يحل ولا يصلح ؛ لكنه خص تلك البقعة بالذكر ؛ وإن كان ذلك لا يحل في غيرها من البقاع ؛ لفضل الحرمة التي جعلها الله لها ، كما خص المساجد بأشياء ؛ لفضلها على غيرها من الأمكنة والبقاع . والثاني : قوله : عِنْدَ بَيْتِكَ الْمُحَرَّمِ : أي : الممنوع ؛ يقال : حرم : أي : منع ؛ كقوله : وَحَرَّمْنا عَلَيْهِ الْمَراضِعَ [ القصص : 12 ] ليس ذلك على التحريم ألا يحل له المراضع ؛ ولكن على المنع ؛ أي : منعنا عنه ؛ لنرده إلى أمه ، فعلى ذلك قوله : عِنْدَ بَيْتِكَ الْمُحَرَّمِ أي : الممنوع عن الخلق لله ؛ حتى لم يقدر واحد « 1 » من الفراعنة والملوك الغلبة عليها وإدخالها في منافع أنفسهم ، بل هي ممنوعة عنهم ؛ على ما كان ، وفيه آية الوحدانية له والألوهية . والله أعلم . وقوله - عزّ وجل - : رَبَّنا لِيُقِيمُوا الصَّلاةَ . قال بعض أهل التأويل : فيه تقديم يقول : وَاجْنُبْنِي وَبَنِيَّ أَنْ نَعْبُدَ الْأَصْنامَ ليقيموا الصلاة لك عند بيتك .
--> ( 1 ) في ب : أحد .